بودكاست

الحلقة الأولى – ما بين النقاش والمعلم

Alnaqsh Logo

كلنا يعرف المثل الشهير العلم في الصغر كالنقش على الحجر الذي منه اشتقيت البودكاست أتعرفون لماذا اخترت عنوان النقش في الصغر؟ لأنه بالفعل يوجد تشابه بينهم، تسألوني كيف؟ سأحكي لكم هذه الحكاية.

في مرة كنت في الصين ودخلت بهو فندق في مدينة صغيرة ،وتفاجأت بجذع شجرة كبير يمكن طوله بدون مبالغة 8 أو9 متر وعرضه ممكن مترين ونصف أو أكثر، عليه حامل حديد بالعرض كانه جدار في وجه المدخل يعني شئ ضخم جدًا، محفور عليه يمكن 1000 حصان بجد! 1000 حصان أو يزيد، أحصنة صغيرة تركض يمكنك أن تشاهد كل التفاصيل فيها، عند النظر لهذا الحائط والزخرفة التي عليه، لا تملك إلا إن تستمر في النظر وتقول يا الله ما هذا الإبداع فالعيون واضحة، الشعر، الأشجار خلفهم حتى الغبرة محفورة، وكل حصان تراه واضح التفاصيل حتى عضلاته ،حقا شيء إبداع كما لو أنه تحفة وهنا أكيد سيخطر في بالك كيف؟ متى؟ وكم؟ ….كم أخد منهم وقتًا وجهدًا ،هل اشتغل عليه شخص واحد؟ هل كانوا مجموعة أشخاص؟ كيف صار بهذا الشكل وهذا الإبداع؟ طبعاً وبما أني تربوية وأدرب معلمات فأقيس دائمًا كل ما أشاهد وأرده لنفس التخصص، خطر ببالي أن أصعب مرحلة في العمل دائما تكون البداية، أتوقع أن في هذا الحائط أصعب مرحلة كانت ضبط الأحصنة الأولى، فهُم حين ضبطوا الأحصنة الأولى و بدأوا بحفرها صار موضوع التكملة أسهل. نفس الشيئ في التعليم المبكر بنظري؛ هو ضبط الأحصن الأولى أو ضبط النقش.

اذًا هل التعلم ومهنة التعليم مثل النقاشة؟ وهل علاقة المعلم بتلاميذه مثل علاقة النقاش بتحفته ؟ من وجهة نظري نعم يوجد علاقة تشابه كبيرة، كما أن ما يقوم به المعلم نوعًا من أنواع النقش والزخرفة بشكل مختلف.

النقاش فنان واسمه مشتق من الفعل نقش، ويكرر عمله ويكرر فعله لأنه ينقش ويزخرف وينقش ويزخرف ويزخرف، لكنه لن يشعر بالملل ولا بالتعب طالما أنه يحب مهنته وشغوف بحرفته وكلما اتقنها يشعر أنه يهواها ويهواها أكثر، الشيء نفسه مع المعلم الذي يحب عمله فلن يحس أنه روتين حتى لو كان روتينه اليومي نفسه بالدقيقة، ومع أنه طول الفصل يعلِّم ويعلِّم ويعلِّم ويكرر الأيام على نفس الجدول لكنه ما زال يشعر بأنه يحب هذا العمل، فمن المستحيل أن يشعر المعلم المبدع بالملل لأن هذه الخبرات اليومية طالما أنه يحب عمله ويؤديه بشكل صحيح باحترافية ومهنية فإنه يكوّن خبرات بنائية وليس خبرات متكررة، فلا يشعر معها بالملل لأنها ستنقله لمستوى أعلى والمستوى الأعلى هذا يعطيه حافزا أعلى للعطاء، سيكون من مستوى أعلى لمستوى أعلى.

النقاش لما يتقن عمله هو يحفر وينحت ويتعامل مع مواد أولية لكنه يبدع في اختيار الخامات التي يمكن أن يختارها وتكون حجر صخر جبس أو غيرها لكنها في الأخير خامات بالنسبة له وهو يبدع ويبحث على خامة مختلفة، حين يمسك الخامة أو القطعة التي سينحتها يدورها ويتفحصها ويلاحظها ليكوِّن في خياله صورة ذهنية واضحة للنهاية؛ ماذا وكيف ستكون ؟وهو الوحيد كفنان يرى النهاية للتحفة التي يعملها ولا أحد غيره يقدر أن يكوِّن نفس الصورة بوضوح، حتى لو أراهم أو رسم لهم كل المخططات هو فقط عنده التصور الكامل في خياله ويعرف كيف سيصير حين ينتهي، كل أداة سيستخدمها كل حركة سيعمل بها سيكون قاصدها ويكون سعيدا أنها تقربه من التصميم الذي في خياله ويتحقق هذا الخيال ويتحول إلى واقع.

نفس الشيئ المعلم والمعلمة وخاصة حين يتعاملوا مع مراحل الروضة أو المراحل الأولية،ش فهم يتعاملون مع أذهان صغيرة ونفوس غضة وفطرة سليمة وبراءة رهيبة، مثل المادة الخام التي يتعامل معها النقاش ،حتى المعلمين يكون عندهم في هذه المرحلة تصورا واضحا ماذا سيطورون؟ وكيف يطورون المهارات والمعارف للأطفال؟ كيف ينقلونهم من المستوى الذي استلموهم فيه بداية السنة إلى مستوى أعلى في نهايتها؟ كيف يبنون معارفهم ويطورونها؟ هذا هو الفن الذي يقوم به المعلم الماهر الذي يفهم أطفاله ويعرف احتياجاتهم ويميز اختلافاتهم والذي يقدر أن يختار ما يصلح معهم و ما لا يصلح ،هو الذي يكون عنده حصيلة واضحة من الاستراتيجيات التعليمية التي يوظفها بشكل واعي ،فيعرف بالضبط ما النتائج منها.

معلم ومعلمة المرحلة المبكرة دائما يلهمون العقول الصغيرة ويقدمون الفرص التعليمية الصحيحة وهم الذين يعرِّضون الأطفال لخبرات مبهجة ومعرفة مرتبطة بتعليمهم، تجعلهم يحبون التعليم ويقبلون عليه بل ويحبون المدرسة ، ومعلمات الروضة بالذات يضعون حجر الأساس للنجاح طول الحياة.

كلنا نعرف أن نمو الأطفال ونمو دماغهم في هذه المرحلة سريع جداً، فغالبية النمو أو ثلثه تقريبا يكون في الثلاث سنوات أو الست سنوات …

سعدت بصحبتكم
ربي زدنا علما والحقنا بالصالحين
القاكم في حلقات مقبلة شكرا لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *