Dr. Wafaa Articles

الكتابة المعكوسة

يُلاحِظ الآباء ومعلّمو المراحل الأوليّة ومن يقومون بتعليم بدايات الكتابة أنّ كثيرًا من الأطفال يكتبون الكلمات بطريقة معكوسة أو قد يقلبون بعض الأحرف، فهل هذا دليل على عسر القراءة؟ وهل هناك أسباب واضحة لذلك ؟ وكيف نعالج هذا الأمر؟!

أَذْكُر مرّة في اجتماع الأمهات أنّ المعلّمة  أعطتنا أقلامًا وأوراقًا، وطلبت منّا أن نُمسك بالقلم ونكتب باليد الّتي لا نهيمن عليها، ووضعت بعض المربّعات الصّغيرة والسّطور، وأكّدت على ضرورة الكتابة  داخلها وعلى السّطر، ولم أكن أتوقّع أنّني سأشعر بالقلق والاضطراب في أثناء الكتابة رغم أننّي  كبيرة راشدة وأتقن الكتابة، وبعد الانتهاء من المَهمّة الّتي أوكلت إلينا من المعلّمة  لم تكن النّتائج مرضية لأيّ منّا؛ فقد كان الخطّ ضعيفًا جدًّا، وكلّنا لم نكتب داخل المربّع ، وكتبنا تحت الخطّ ، لقد صَعُب علينا التّحكّم بالقلم لأنّ يدنا الّتي لم نهيمن  عليها لم تتمرّن ولم تعتد على هذه العمليّة باليد الضعيفة.

إن ّعمليّة تعلّم القراءة والكتابة عمليّة معقّدة ومتداخلة يسبقها الكثير من المراحل الّتي تتتابع وتتوالى ويُبنى بعضها على بعض، وبعدم تمرّس المتعلّم عليها لن يمتلك أدوات اللّغة و لن يفكّ شيفراتها الصّوتيّة والبصريّة، حتى يتعلمّ كيف يقرأ تلك الرّموز ويكتبها بسهولة.

فلا  يُخيّل إليكم  أنّ مجرد حفظ الطّفل للحروف وتمييزها بصريا هو الأساس لتعلّم الكتابة والقراءة، إذ يجدر الإشارة إلى  أنّ الضّغط على الطّفل للتّسريع  في إنجاز هذه العمليّة قبل أن يكون جاهزًا عضليا ومعرفيا وإدراكيا قد يسبّب له مشكلات أخرى كثيرة أبسطها الكتابة المعكوسة.

وتُعرف  الكتابةُ المعكوسةُ  أو الكتابة في المرآة  (mirror-writing) كما يُطلق عليها المختصّين بأنّها نمطٌ من الكتابة يقومُ على الكتابة بعكس الاتّجاه الأصليّ لكتابة الكلمة، والّذي يَنتُجُ عنه صورة معكوسة للحرف أو الكلمة المكتوبة، وتظهر الكتابةُ واضحةً عند عرضها على المرآة  من اليمن إلى اليسار، أو من الأعلى إلى  الأسفل، وقد لا يتجاوز الأمر كتابة بعض الحروف والأرقام، أوقد يتعدّى ذلك كتابة كلمة كاملة أو جملة مقلوبة؛ ممّا يصيب المربّي بالإحباط والقلق فيظنّ أنّ ذلك مؤشّرًا على صعوبة ما يمكن أن يواجهها الطفل.

من مناّ لم يجرّب الكتابة بالمقلوب أو عكس الكلمات أو الأرقام أو الحروف ومحاولة  قلب الكلام عن قصد أو غير قصد؟ ألم تجرّبوا ذلك وتعتبرونه نوع من المرح وكأنه لعبة مسلية؟ بل إنّ بعض المدرّبين يستخدمون هذه العمليّة عن قصد لرفع مستوى مرونة الدّماغ.

رغم أنّ هذا العارض يشبه أحد أبرز وأوضح أعراض وعلامات “عسر القراءة”، لكنّه ليس بالضّرورة أن يكون  دليلاً دامغًا على تلك الصّعوبة، فقد يكون هناك مسبّبات محتملة أخرى هي:

  • فَقْد بعض مهارات الوعي الفونيمي والفونولوجي مثل التّحليل والتّقطيع والتّركيب…إلخ

والتّسرع في تقديم الحروف – تلك المدلولات المجرّدة للطّفل- وتعليمه إياّها مبكرًا قبل أن يتمكّن من أصواتها  وقبل وصوله للإدراك الحسيّ للّغة وتمكّنه شفهيّا من مكوّناتها وأدواتها.

  • ضعف الذّاكرة اللغّوية والتّدريب على تحليل مكوّنات اللّغة الشّفويّة والّتي تؤثّر بشكل مباشر على عمليّات التّشفير والتّرميز المبكرة لأصوات وأشكال الحروف والكلمات، وكيفيّة تكوين الكلمات؛ الأمر الّذي يؤدّي إلى اختلاط أشكال الحروف وأصواتها في مخيّلته ويُصَعّب عليه عمليّات البحث والاسترجاع.
  • فَقْرُ المخزون والحصيلة اللّغوية من المفردات والصياغات سواء الشّفهيّة أوالكلمات البصريّة.
  • ضعف في المعالجة البصريّة الدّلاليّة والّتي تُشكّل عنصرًا رئيسًا إن فُقد لن يتمكّن الطّفل من التّهجئة والكتابة الصّحيحة، وفي هذه الحالة يَصعُب على الطّفل تحديد التّفاصيل في الكلمات وتمييز اختلاف الصّور أو الاتجاه الصّحيح للكتابة والقراءة، وعدم القدرة على فهم السّياق الصّحيح لكتابة الأحرف.

 

هل لي أن أسألكم سؤالاً؟! فتحة تفّاحة أبل ( Apple) في أيّ اتجاه؟ هل هي من اليمين أو اليسار؟

قد نتذكّر وقد لا نتذكّر، لأنّ هذه المعلومة ليست أساسيّة في المخّ؛ وبالتّالي من دون النّظر إليها يمكن أن يختلط علينا الأمر، ومع الأطفال يحصل الأمر نفسه فيختلط عليهم اتجاه الكتابة.

بناءً على نظرية التّعميم ، فالأطفال لايميّزون الأشكال المعكوسة  بين سنّ الرابعة والثّامنة، بل يجيدون تعميم الخبرات المكتسبة، ويميلون فطريًّا إلى ذلك مع الأصوات والصّور والأشكال والأفعال؛ وهنا تنشأ الكتابة المرآة أوما يُسمّى Mirror generalization” .


القطّة عن اليمين أو اليسار تبقى بالنّسبة للطّفل قطّة، والبطّة تبقى بطّة بغضّ النّظر عن اتجاهها، فالطّفل لا يركّز على الاتجاه بقدر ما يركّز على الشّيء نفسه وصحّة الشّكل، إذ إنّ معظم الأشياء في الطّبيعة حول الطّفل لا يختلف شكلها: كالأشجار، والفراشات ،والحيوانات، لأنّها  تبدو كما هي من الاتجاهين، ويتعامل الطّفل  مع الحروف والكلمات بالطّريقة نفسها؛ فالأمر عند المتعلّم الصّغير يحتاج إلى وقت وتدريب وتوجيه وتعليمات مباشرة وواضحة كي يتمكّن من معرفة وإتقان اتجاه تلك الرّموز والأشكال المجرّدة الّتي تُسمّى “حروف وكلمات”.

إنّ عكس الحروف والأرقام أو حتّى الكلمات وبعض الأحيان الجمل أو الكتابة المرآتية  ليس بالضّرورة  علامة على عسر القراءة، والأمر المطمئن أنّ معظم الأطفال الّذين يعكسون الكلمات والحروف قبل سنّ السّابعة يتمكّنون من القراءة والكتابة بسهولة من دون ظهور أيّ مشكلة، وتختفي عندهم هذه الظّاهرة  تدريجيًّا بالتّدريب والتّمرّس، وأنصح المعلّمين والآباء بالنّظر إلى هذه العمليّة من منظار مختلف، وعدم اعتبارها خطأ يرتكبه التلّميذ، بل نوع من النّموّ الطّبيعيّ للتّمييز بينها، فالقدرة على إنتاج كلمات سليمة معكوسة ليس خطأ، فلا تنزعج أو تقلق، بل اطمئن، واعتبر ذلك  كسقوط الطّفل عندما يخطو خطواته الأولى وهو يتعلّم المشي، وفي حال استمرّت عمليّة العكس والقلب بعد سنّ الثّامنة عندها نلجأ لمختصّ.

  الكتابة المرآتيّة وعكس الكلمات ليس عارضًا مقلقًا دالاًّ على صعوبة تعليميّة معيّنة  بقدر كونه  مرحلة تعلمّ يمرّ بها معظم المبتدئين في تعلّم الكتابة والقراءة.

إذا واجهت ذلك:

لا تجزع أوتبالغ في ردّة فعلك وقلقك، بل تعامل مع الموضوع بشكل طبيعيّ؛ عليك فقط  أن توجّه الطّفل وتشرح له طريقة الكتابة الصّحيحة واتجاهها.

– علّمه كيف يكتب الحرف؛ لا تعترض أوتتساءل: لِمَ تقرأ بشكل صحيح ولكنّك تقلب الكلمة؟ ولا توجّه له اللّوم أوتشعره بأنّه قام بخطأ جسيم، بل أخبره بأنّ الكتابة لها اتّجاه واحد وأشر إليه بوضوح.

 

– حاول أن تفهم سبب عكسه للكلمة، إسأله هل هي بالاتجاه ولماذا كتبها هكذا ، فغالبًا ستجد الأمر مختلط عليه وليس متيّقّنًا من الاتّجاه الصّحيح،  كما اختلط عليك وشككت في مكان فتحة تفّاحة أبل؛ فأحيانًا نستغرق وقتًا لتعلّم اتّجاه فتح علبة الدّواء أو مقبض الباب الدّائريّ مثلاً، فالأمر يحتاج  إلى الممارسة كي نقوم بهذه العمليّة وندركها بصورة تلقائيّة؛ وهكذا اتّجاه الكتابة، فكلّما تدرّب الطّفل أكثر على عمليّة القراءة والكتابة وأشار بيده وهو يقرأ بالاتّجاه الصّحيح كلّما زاد  تمكّنه من التّغلّب على هذه المشكلة.

استخدم الطّرق الحسيّة في التّدريب كالكتابة بالعجين والرّمل، والعب معه بعض الألعاب كالبحث عن الأحرف أو الكلمات المعكوسة والصّحيحة، بعد المرحلة الحسية ابدأ بالطريقة المناسبة لعمر الطفل ومستواه باستخدام الورقة والقلم ولا تبدأ بقلم نحيل  أبدا لا تبدأ بسطر ومربع ومساحة صغير إبدأ بورقة بيضاء ومكان واسع ثم أدخل السطر والمربعات فالطفل يشعر بالتوتر من الكتابة على السطر في البدايات.

هناك أمر آخر، حين نعلّم الطّفل فتح وقفل  الصّنبور سيعرف أنّ العمليّتين متعاكستيْن لكن من خلالهما سيعرف  كيف يستخدمه، فهو يتعلّم في الوقت نفسه  العمليّة وعكسها “فتح وغلق الصّنبور”، وكذلك الحال  عند اكتساب مهارة الكتابة، هناك مجال لكلا النّموذجين: الكتابة العاديّة والكتابة المعكوسة؛  لكنّنا لا نستخدم إلّا النّموذج باتّجاه واحد.

 

 

اترك الطّفل يقارن الكلمات ويكتشف ويدرك أنّ الشّكل المعاكس للحرف غير مفهوم بالنّسبة للآخرين؛ وبالتّالي سيتخلّى عنه ويدرك كيف يكتب ليفهم الجميع ما كتب.

 

 

أخيرًا؛ يجدر بي القول إنّ تعلّم الطّفل لغتين متعاكستين في اتّجاه الكتابة مثل العربيّة والانجليزيّة قد يؤخّر عمليّة الإدراك لاتّجاه الكتابة عنده ؛ فلكلّ طفل جدوله الخاصّ في التّعلّم، فلا تقارن ولا تضغط ، وكن صبورًا ومتفهّمًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *