Dr. Wafaa Articles

الأطفال و معاناة الفقد

الفقد2

حين نختبر ألم الفقد ونجربه نعي تمامًا كم هو قاس وحاد علينا نحن الكبار و نحاول جاهدين حماية أطفالنا منه وإبعادهم قدر المستطاع عن الألم، فنعمل كل ما بوسعنا لنجمل الحقيقة ونعدل مسارها كي يروها بصورة تجنبهم الألم أو الخوف أو الغضب.

ولكننا قد نقع فيما نخشاه…حين نحاول عزل الطفل ومنعه من المشاركة، وكذلك عندما نهتم أن نشغله ونشتت انتباهه عن الصدمة، لا ندرك أنه يهتز من الداخل ويختبر مشاعر تشبه في حدتها قوة الزلزال، فحين لا نتركه يتحدث عنها ويخرج ما يفكر فيه ويسأل كل الأسئلة التي تجول بخاطره، نجعله يكبت تلك المشاعر وهذا الكبت قد يحول مسارها لتنتج مشكلات عصبية ونفسية أكبر، كما أننا حين نقول للطفل لقد ذهب بابا أو جدو أو الحبيب الذي فقدته إلى الله… وهو الآن في مكان أجمل وهو في السماء يرانا…نوارب الحقيقة ونكنيها … و نجعله بذلك قد يتمنى الموت لنفسه… أو يكره الله تعالى على أنه أخذ هذا الحبيب؟.

 

إذاً كيف يجب أن نتحدث مع الطفل وماذا نخبره وكيف نستطيع الخروج من تلك المشاعر المؤلمة؟

 

يختلف تعامل الطفل مع الحزن باختلاف عمره، فالطفل الذي لم يتجاوز السنتين من العمر وحتى أربع سنوات لا يدرك المعنى الحقيقي للموت أو الفقد، ما يصله أن شيئاً ما حدث فتغير عالمه الذي يعرفه ويألفه ولكنه لا يعرف تمامًا ما هو ، ويصعب عليه فهم استمرارية الحدث وأن الموت يعني غيابًا أبديًا، وضغط هذا الوضع عليه قد ينعكس بعدة أشكال منها تراجعًا سلوكيًا معينًا مثل التبول اللاإرادي  واضطرابات النوم أو مص الإصبع أو تكسير وتخريب الأشياء الصراخ والغضب غير المبرر، الانسحاب من اللعب أو فقد الشهية للطعام، كلها أعراض قد تظهر على الطفل في هذا العمر، كما أنه قد يرفض النوم وحده ليلاً، أو الذهاب إلى الحضانة أو المدرسة، بين عمر الثالثة إلى السادسة يعرف الأطفال أنهم متمركزون حول ذواتهم حيث يغلب عليهم التفكير الشخصي فلديهم شعور بأنهم مسؤولون عن أي تغيير يحدث حولهم، لذا يعتقدون أنهم السبب أو أن لهم دخلًا فيما يحدث فتكون الخسارة بالنسبة لهم نوعًا من التهديد الذي ينتظرون عليه العقاب أو يوقعونه على أنفسهم، كذلك فإن هذا العمر هو عمر السؤال والبحث عن الحقائق وفي حالة الفقد سيطرح الطفل الكثير من الأسئلة ليشبع حاجته للمعرفة ويفهم ما يدور حوله …كيف مات؟ ولماذا حصل؟ وأين هو الآن؟ ….. ، في مواقف الحزن تختلط المشاعر فيكون الشعور الأبرز هو الخوف من أن يبقى الطفل وحيدا، أو أن يترك المكان الذي يألفه أو من يحبهم، الطفل دائما شغوفً لمعرفة الإجابات فيبحث عنها في كل مكان ، وغالبًا لا تكون نتائج بحثه دقيقة، وهو بحاجة لكلمات تشرح له الوضع وتعرفه الحقيقة ، أمت في عمر الثمانية سنوات وأكبر يكون الأطفال أكثر وعيا وإدراكا لحقيقة الموت وأنه حدث أبدي ليس بعده عودة ، لذا يكون تأثرهم وحزنهم أعمق ولكن أكثر ما يزعجهم إقصاءهم عن المشاركة في مراسم العزاء ،وكذلك منعهم من معرفة ماذا يحدث لحبيبهم الذي مات وكل إنسان بعد الموت.

 

إن معاناة الفقد التي يمر بها الطفل هي في عينيه كبيرة جدا، وتأثيرها قد يمتد لأشهر طويلة ، بل قد يبقى لهذه المعاناة بصماتها على شخصية الطفل في المستقبل، فما يحصل عليه من احتواء وتفهم في الأيام الأولى يتوقف عليها ما سيحدث فيما بعد، ولكل طفل طريقته المتفردة في التعبير عن مشاعره وانفعالاته في فترة الحزن حيث تتنوع مظاهره بين الجسدية والنفسية والسلوكية والعاطفية ؛ لذا علينا أن نكون فطنين ومنتبهين لملاحظة وإدراك كيف وبأي طريقة يعبر الطفل عن حزنه، فمن الممكن أن تظهر عليه مظاهر تراجع السلوك كما ذكرت سابقا، أوقد يبالغ الطفل في طلب الحماية والأمان ، أو يحاول التعبير عن الشوق والألم بالرسم أو التمثيل أو السكوت الطويل كلها مظاهر تدل على أن الطفل يحتاج إلى من يساعده ويؤازره ليتخطى هذه المرحلة، هنا نتدخل ونقدم المساعدة له في الوقت المناسب.

 

وإليكم بعض الخطوات المهمة التي ينصح بها للتعامل مع موقف الفقد:

أولا : إخبار الطفل: عند إخبار الطفل بالوفاة اختر الوقت والمكان المناسب الذي يستطيع الطفل فيه التعبير عن نفسه، دون كثير من التدخلات أو المداخلات، ثم اختر الشخص الذي سيخبره وليكن قريبًا من الطفل وبينهما نوع من الود ومعتاد على حضنه، ولن يشعر بالخوف أو الخجل منه، ويمكنه فهم الكلمات التي يعبر بها الطفل في العادة، بعدها كن حذرا واختر الكلمات بعناية؛ لأن كل كلمة تقولها قد يكون لها تبعات، لذا ينبغي أن تهيء الطفل وتتحدث معه الحديث المعتاد بينكما، ابدأ بسؤاله عما وصله من أخبار حتى اللحظة؛ لتتأكد أنه لم يسمع شيئا من أحد، أخبره أن لديك أمراً محزنًا تود إبلاغه به قل بوضوح: ” فلان مات أو توفى”، ثم اصمت بعض الوقت لتعطي الطفل فرصة كي يستوعب ما قلت، كن صادقًا وقل الأحداث كما حدثت واستخدم لغة سهلة بسيطة، وبدون كنايات أو تورية كأن تقول” ذهب إلى الله،رحل إلى ربه، أصبح في السماء،هو في الجنة…“،فالأبحاث تظهر أن استخدام كلمات واقعية لوصف الموت تساعد في فهم المعنى الحقيقي للفقد وتمهد لعملية الحزن.

قدم المعلومات التي تعرفها لا تدخل معه في التفاصيل غير الضرورية؛ لحماية الطفل من التهيؤات والخيالات التي قد تقوده إلى تصور مشاهد مؤلمة، أعط الطفل فرصة للتعبير عن حزنه، وبالتأكيد سيسأل ليعرف كيف ومتى ولماذا؟… ولكن عليك قياس ما تخبره به وفق ما ترى أن الطفل قادر على التعامل معه في الوضع الراهن، وعليه تستطيع أن تحدد حجم المعلومات وتقسمها إلى أجزاء لتعطيه حقيقة صغيرة في كل مرة تجلسان معا، سترشدك أسئلة الطفل لما يجب أن تقوله، لا تخش أن تقول “لا أعرف الإجابة الآن “، ومن المفيد أن تخبر طفلك أنك قد لا تعرف شيئًا معينًا في الوقت الراهن، لكنك ستبحث عن الإجابة وترد عليه لاحقًا، في أول الصدمة ركز على تنفيس الانفعال والتعبير عن مشاعر الحزن، قل: “دموعك تخبرني بأنك حزين وفي قلبك ألم أشعر بك” أنا حزين مثلك كنت أحب فلان مثلك”، و احضن الطفل وقبله وربت عليه ليشعر بحنانك وتمنحه الأمان ويفهم أنك تتقبل وتقدر ألمه، هكذا تساعده لتمر أزمة الفقد بأقل ضرر.

قدم للطفل الحقائق شيئا فشيئا، انتبه أن تقول “ذهب لينام أو هو الآن نائم نومة طويلة…، فهناك حالات سجلت لأطفال أصبحوا يخافون النوم ويعتقدون أنهم عندما ينامون قد لا يصحون أو سيموتون، وهذه نتيجة لا نريدها طبعا، نقطة أخرى لا تربط الموت بالمرض أو العجز فيخاف الطفل المرض كما قلنا، اشرح ببساطة ما حدث وبين أن الموت نهاية الحياة الدنيا وبداية للحياة الأخرى.

 ثانيا : ليفهم الموت: ساعد الطفل أن يفهم معنى الموت بصورة حسية بسيطة يمكنه إدراكها، ممكن أن تذكره بالزهور التي يراها ميتة في الحديقة أو الطيور أو الحيوانات التي ربما مر وشاهدها، أخبره أن لكل حي في هذا العالم عمر محدد ووقت يموت فيه،  قد يساعدك أن تخبر الطفل أن الموت ليس فناء بل انتقال من عالم لآخر، وتواجد في مكان لا نراه ولا نشعر به بحواسنا ولا يمكن أن نتواجد فيه ونحن أحياء، ولكننا سنلتقي بمن نحب حين يأتي الوقت لذلك، أمر مهم آخر يجب أن لا يرتبط الموت وألمه مطلقا بالله تعالى أو الجنة بأن نقول “أخذه الله أو راح للجنة ” فقد يكره الطفل الله والجنة بجهله ومحدودية فهمه في العمر الصغير لأنهما السبب الذي حرمه من الحبيب، انتبه وقدم المفاهيم بشكل لا يلتبس عليه، الطفل الصغير يصعب عليه فهم المعاني الغيبية والتسليم بالقدر خيره وشره، عرف الموت على أنه نهاية العمر ولكن ليس الفناء.

طمئنه بأن الميت الذي يحبه بخير ومعه الملائكة ويحميه الله تعالى بقدرته ورحمته التي تفوق رحمة الأمهات على أبنائهن، ثم أن عمله الصالح  وقرآنه أيضا يحميانه، قل له أن رسول الله أخبرنا باسم هذا العالم وهو “البرزخ” وفيه يجتمع المسلمون والمؤمنون مع بعضهم تحفهم الملائكة في مكان كريم يرون فيه منازلهم في الجنة ويصلهم منا الدعاء والصدقة، ومن الممكن تمثيل ذاك العالم بصورة حسية يعرفها الطفل وهي عالم الجنين في بطن أمه فهو عالم لا نستطيع فيه التواصل مع الجنين أو العيش معه ولا نراه بأعيننا ولكننا نعلم يقينا بوجوده ونحتاج أشعة معينة للتواصل معه، وهكذا عالم البرزخ بالنسبة لنا هو بعيد عن حواسنا لكن الوسيلة للتواصل فيه هي الدعاء والصدقة، وهو ليس نهاية بل بداية لحياة ثانية أوسع وأكبر من الدنيا هي للمؤمنين أجمل بإذن الله.

ثالثًا: المرور بالحداد: ليفهم الطفل الحداد ويتجاوز الحزن بطريقة آمنة نفسيًا، لا تُخفِ حزنك وبكاءك ودعه يبكي معك، واحذر من المقولات المتداولة في مثل هذا الموقف: “الميت يتعذب ببكائنا” فالبكاء صحي ويساعد على التنفيس ويسرع عملية الاستشفاء النفسي من الصدمة، عبر عن مشاعرك بكلمات واضحة عن حقيقة ما تشعر به ” حزينة جدا…أشعر بألم في صدري… سأشتاق لفلان… فراقه صعب علي “، مثل هذه العبارات تعطي تفسيراً لدموعك وألمك، وتقدم نموذجًا للطفل لتساعده أن يفهم ما يشعر به ويستخدم كلمات مشابهة، ميز بين الحزن والفزع ولا تظهر للطفل خوفك وفزعك بالصراخ والعويل، أبعد الأطفال عن مثل هذه المشاهد المرعبة إن وجدت، ثم علم الطفل أن يدعو للمتوفي وأخبره أن هذه هي وصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، و اعلم أن  منع التحدث عن الحادث والميت و إنكار أو إخفاء المشاعر أمر غير صحي، ويفاقم من آثار الصدمة، كما أن محاولة حماية الطفل من الألم بإخفاء الحقيقة عنه لا يحميه بل يؤذيه؛  من أجل ذلك لا بُدَّ من التعبير عن الشعور والمشاركة في المراسم والإجابة على كلِّ تساؤلات الأطفال حول الموت والموتى بسعة صدر وبصورة مبسَّطة، لا تتذمر وتحمل تكرار الأسئلة نفسها وكن جاهزا للإجابة، للتحلي بالصبر وعدم الجزع أبق الميت حاضرا بذكره إذا رأيت الطفل يحتاج لذلك، فهناك قصص عن أطفال ساعدتهم صور وأغراض والديهم على المضي قدمًا وكانوا يرتاحون للتحدث معهم من خلال صورهم، فلا بأس أن يبقى المتوفي حاضرا، ولا تتعجل إخفاء أغراضه وصوره، تحدث عن شعورك في والمناسبات السنوية والعطلات واللحظات الخاصة بدون المتوفي، سيسعد الطفل بأن تخبره “كان يحب أن يجلس هنا.. رحمه الله وهذا مكان وقوفه…” أخبر الطفل أن رسول الله علمنا أن نذكر محاسن موتانا ونتذكرهم بخير وندعو لهم، قد تمتد فترة الحداد عند بعض الأطفال فترة طويلة كن حاضرا للحديث والاستماع، واعلم أن الأطفال يتعلمون كيف يحزنون من ملاحظتهم الكبار حولهم، إذا رغب الطفل في عمر الثامنة وأكبر بالمشاركة في مراسم الحداد أو الصلاة على الميت في المسجد فاسمح لهم بذلك، وعلمهم الطريقة و ما يجب أن يقال وكيف يقبلون عزاء الأخرين ويشكرون الناس، وتحدث معهم عن تفاصيل ما يدور حولهم.

رابعا: الرعاية: مع انشغال الكبار بمراسم العزاء قد يتعرض الطفل للإهمال، ولا يجد من يستمع له أو يعتني به وقد تفوته الوجبات، وتسوء التغذية، أو تختلف مواعيد النوم، فكل هذه عوامل تزيد من أثار الصدمة وترهق الطفل جسديًا ونفسيًا، لذا لابد من وجود من يهتم بالطفل ويرعاه و يستمع له، ومهم جدًا أن لا يتغير جدول الطفل اليومي ويحصل على التغذية والراحة اللازمة ، لا تسخر من خيالات الطفل التي ربما يعبر عنها فيقول لقد رأيت جدي أو بابا وقد احتضنني، فهذه الهلوسة تفيده وتساعده لتخطي أحزانه، كما أن إعطاء الطفل بعض المسؤوليات الصغيرة التي يستطيع أن يقوم بها تشعره بأهميته، وإحساسه بالإنجاز يحسن مزاجه ويرفع تقديره لذاته، وتقديم أدوات تساعده على التنفيس عن مشاعره والتعبير عنها مثل أوراق وألوان أو العجين والصلصال،كما يفيد الطفل أن تحكي له قصصا لأناس فقدوا أحبابهم مثله، ويمكنك استخدام الكتب التي تساعد على فهم الموت، الحركة  مفيدة كذلك مثل الركض أو ركوب الدراجة أو اللعب بالكرة كلها نشاطات تساعد في تفريغ الطاقة السلبية.

من الضروري أن نوضح للطفل أنه لا دخل له بما حدث ولم يرتكب أي خطأ أدى لذلك، واحذر من جمل مثل” مات لأنك أغضبته” قل: ” توفى لأنه انتهى عمره”، ساعد الطفل أن يكون إيجابيًا في تفكيره وذكره بأشياء جميلة لازالت لديه؛ حتى لا يركز على ما فقده ويفكر بإيجابية، أخبر المحيطين بالطفل معلميه وأقرانه بأنه يمر بفترة حداد؛ ليساعدوه ويتفهموا هم أيضا سلوكه المختلف، أخبر الطفل بالتغيرات في وضعه التي قد تحدث له  وأشركه في القرارات المصيرية مثل تغير مكان عيشه أو من سيقوم برعايته أو مدرسته وغيرها…، فهذا قلق كبير يشغل الطفل بعد وفاة الأشخاص الذين يقومون برعايته.

خامسا: الاستعانة بأخصائي نفسي: لابد أن نمنح الطفل وقت كاف للاستشفاء من ألم الفقد لكن هناك مؤشرات لو زادت فلابد من عرض الطفل على أخصائي نفس كي يساعده على تجاوز الصدمة، فإذا رأينا علامات اكتئاب أو فقدان شهية أو تبول لا إرادي أو تغير كبير في السلوك، ومستمر لأشهر بعد حادثة الفقد عندها يكون بحاجة للمساعدة.

أخيرًا تذكر أن لكل عمر مظاهر مختلفة في التعبير عن الحزن، تقبل مشاعر الطفل المكلوم، وتفهم حاجاته، وسلوكياته، فهو يعاني أوجاع الفقد بقوة، و لكن قد لا يتمكن عن التعبير بالشكل الذي ننتظره منه، لهذا علينا احترام ألمه والصبر عليه حتى تمر هذه المرحلة بسلام، فمن الشائع أن يبدو الأطفال غير مباليين أو متأثرين بالخسارة، وقد نراهم يلعبون ويضحكون ولكن هذا لا يعني أنهم ليسوا حزينين ولكنهم يجهلون كيف يعبرون عن أحزانهم، فلا توجد طريقة صحيحة للحزن، لذا أشعِر الطفل بالأمان وقدم له الحقيقة بكلمات وصور حسية يفهمها، وكن واضحًا وصادقًا معه ولا تبالغ في شرح تفاصيل لا يحتاجها، اعتن بنفسك فالطفل يتعلم مما يراه، لذا كن نموذجًا يحتذى به في الرعاية الذاتية في الأوقات الصعبة، حفظكم الله جميعا وبارك لكم في أعماركم و ذرياتكم وأبعد عنكم الحزن والأسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *