مقالات الدكتورة وفاء

كيف نكتب للطفل

الكتابة والتأليف نوع من الإبداع، فالمؤلف يستشعر المعاني ويحيك المفاهيم ليسمو بالخيال، فيحول الشروق والغروب والظواهر التي نراها طبيعية إلى صورةٍ ملونةٍ بديعةٍ تعج بالحياة والجمال، فيرسم لنا لوحةً نصيةً نستمتع بقراءتها، ومن الصعب تأطير الإبداع أو قولبته، حيث لابد أن يتمتع الكاتب بنوع من الحرية كي يبتكر الشخصيات ويكتب المشاعر ويصور الأحداث، لينقلنا في لحظة من الأرض إلى الفضاء ومن عمق البحر إلى قمة الجبل، فيتلاعب بالزمان والمكان والطقس والأحداث والتواريخ، ويتفنن بكلماته بإحساسٍ مرهفٍ حتى ينقل للقارئ طفلًا كان أو راشداً فكرةً، أو معلومةً، أو عاطفةً، أو حدثاً، فلكل كاتبٍ أسلوبٌ خاصٌ تُزهر به شجرة إبداعه، فلا يمكن أن نقارن زهرة التفاح بزهرة البرتقال، كلها ستصبح ثماراً نتلذذ بالطعم الفريد لكلٍ منها.

مثل كل أنواع التأليف فإن الكتابة للطفل تخضع لمعايير تزيدها قوة ومتانة، فكاتب الطفل المحترف يحسُن أن يحاط بالأطفال، يتواصل مع عالم الطفولة، يلاحظهم ويحادثهم ويعرف اهتماماتهم وطموحاتهم.. فينبغي أن يعيش معهم وبينهم، ويحتفظ بداخله بطفل صغير يرى العالم بعيون الأطفال وهنا يكمن التحدي، وهذا ما سيمكنه من اختيار الصياغات والنصوص الجيدة، بحيث يضيف لمعارف الطفل ومهاراته ويفتح له نوافذ خيالية وثقافية وتعليمية، ومن أهم تلك المعايير:

  • أن يحكي كتاب الطفل قصة طفل مثله يتعرف عليه ويعيش معه الأحداث، يفهم مشكلته ومشاعره ويفكر في حلول ويصل إليها، فالطفل يحاكي ويتحد مع أبطال القصص الصغار، فسندباد كان طفلا والشاطر حسن، وموروكو، طرزان ،هايدي، الدب ماني،ماشا والدب…… وغيرهم، ربما يلاحظ المربي كيف يتقمص الطفل مشاعرهم ويتصرف مثلهم ويقتبس منهم بعض الكلمات والجمل.

 

  • من المهم أن يعبر الكاتب بلسانه ومن وجهة نظره، بمعنى أن يبتعد عن التلقين لفكرةٍ يريد الكبار إيصالها له، فكتاب الطفل يخرج من عالمه ويُصاغ بلغته وبطريقة تشبع فضوله وتلبي شغفه وحبه للمعرفة، والكتابة للطفل تتصف بالتلقائية والبراءة وبساطة اللفظ والصيغ المباشرة دون التكلف في الكلام.

 

  • كتاب الطفل الجيد يحاكي همومه واهتماماته ويحكي عالمه، لذا فمن الأفضل أن تكون أحداثه مشابهة لما يعيشه ويفهمه، والتعبيرات تشبه ما يعبر به، وتحاكي أساليبه في رؤية المشكلات وحلها وهذا من أهم أسباب نجاح كتاب الطفل.

 

  • بالقصص تقدم القيم والفضائل وهذا نهج القرآن والسنة، ولكن لا تلقن القيم والفضائل بشكل مباشر بل يجب أن تدخل ضمناً بين الأحداث والوقائع، ومثلها النصائح و التوجيهات،نحكي قصة طفل نريد أن نعلمه قيمة الصحة ، الصدق، وآخر يعمل ليتعلم الادخار… وهكذا ليصل القاريء الصغير بنفسه في نهاية القصة للقيمة المرادة ولا نقول قصة حسان الصادق أو الموفر.

 

  • يرتبط كتاب الطفل بحياته ومحيطه فيتحدث عمّن يحبهم ويتعامل معهم مثلا: أصحابه.. عائلته.. حيّه.. مدينته أو أي شيءٍ قربه وضمن محيطه، وهذا لا يمنع أن نقدم للطفل كتباً تفتح نوافذ معرفةٍ جديدةٍ من بيئاتٍ مختلفةٍ، ولكن يُفضل أن تُشبِه حياته التي يعرفها أو الأشخاص الذين يتعامل معهم.

 

  • يتصف كتاب الطفل بلغته الإيجابية، وبالتفاؤل والفرح الذي يطغى على أحداثه، فهذه هي اللغة التي يحبها الطفل ويتفاعل معها، وتتحقق فيها الأمنيات والحب والأمل والشجاعة والمشاعر الإيجابية، والنهايات السعيدة أساسية في قصص الأطفال، (حتى حين نَحْبُك مشكلةً أو عقبةً يجب علينا ألّا نُظهر فيها السلبية ولا الإحباط)، فعند موت شخص نقدم ذلك برمزية شديدة ونقلل من مشاهد الحزن والحسرة المحكية في القصة ، ونجعل البطل يمضي ويتجاوزها.

 

  • كتب الأطفال يغلب عليها الخيال بسحره الأخاذ، فهم يحبون أن يطيروا ويحلقوا في عوالم وأفكار غير واقعية تلبي حاجة خيالهم للنمو وتحاكي شغفهم للخروج من ضيق الواقع، فالطفل يريد أن يدخل جحر الأرنب، ويسير فوق السحاب، ويقفز بين الجبال؛ لذا تستهويه قصص الأبطال الخارقين وقصص الخيال بأنواعها.

 

  • قصص الأطفال تطور اللغة وتقدم الخبرات، لذا فرفع مستوى اللغة والخطاب مطلوب لتطوير حصيلة المفردات والمهارات المكتسبه، شرط ألا تكون الكلمات صعبه جدا لمرحلة لن يتمكن الطفل من فهمها، فالصغار يحبون التكرار وأن تكون هناك كلمة أو جملة أو رسمة متكررة في القصة، كما أنهم يحبون العبارات الطريفة والمرحة، وأن يكون للكلام نغم وإيقاع ، ويسعدهم أن يتعلموا كلمات جديدة دائما.

 

  • من الجيد أن لا تكون النصوص دائماً سهلة جدا يشعر الطفل بأنها للصغار، بل ينبغي أن تخرج عن النمطية والملل، وتستخدم لغة بلاغية فيها بعض المفاهيم الجديدة ليتعلمها الطفل فتشرح بالنص والرسم لتقدم الصورة مالا يقوله النص، دون الإكثار من الكلمات الصعبة أو المصطلحات والنصوص المعقدة التي تُشعر الطفل بالعجز وعدم القدرة على فهمها، فمتى تحقق التعادل بين التشويق والوضوح، بين التشبيهات والكنايات والأوصاف المباشرة، كان ذلك الكتاب مناسباً للطفل.

 

  • كتب الأطفال تعتمد بشكل كبير على الرسم الجيد فكم من نص رائع ظلم برسم خفض مستواه لذا فنصف نجاح كتاب الطفل معتمد على الصورة البصرية التي ينقل بها الرسام للقراء الصغار مايريد الكاتب أن يقوله وأحيانا التفاصيل التي لا يذكرها النص، لذا على الكاتب أن لا يبخل على نصه بالبحث عن رسام جيد، وهذا ما يجعل كتب الأطفال أكثر تكلفة.

 

وهناك حقيقة مهمة علينا أن نتنبّه لها حين نقدم كتابا للطفل وهي: تفرد كل طفل، وتميزه، فالأطفال  ليسوا متساويين في القدرات ولم يتعرضوا لنفس أسلوب التنشئة، ولا يمكن أن نقول أنهم يتمتعون بنفس المهارات، أو يمرون بالخبرات ذاتها، الأمر الذي يصعب معه تحديد العمر الموجه له الكتاب بدقة، مما يجعل من المهم أن تكون هناك مستويات مختلفة من النصوص، بين السهل الواضح والمحسَّن الإبداعي، ومن الجميل أن يخرج النص عن المباشر والمألوف، فهناك أطفال قادرون على تذوق مستويات متقدمة من الأدب، بينما يكون ذلك صعباً على من هم أقل خبرة ومهارة، فلا يمكن مقارنة طفل يُقرأ له منذ كان رضيعا بطفل آخر لا يَقْرأ ولا يُقرأ له.

وأخيراً.. ليعلم كاتب الطفل أن نصه مهما كان جميلا ومبدعا إلا أنه جزء واحد لا يكتمل إلا بعوامل نجاح أخرى تحدد جودته مثل الرسومات والإخراج والطباعة، كما أن معيار النجاح والحكم على الكتاب ليس النقاد ولا الوالدين ، الحَكَم الأساس الذي يثبت نجاح الكتاب هو الطفل نفسه، فإذا جذبه وقرر اقتناءه فقد نجح الكتاب!!، وإذا أراد أن تعيد عليه قراءته مرةً تلو الأخرى، أوطلب كتبك أنت بالذات لأنه يريد أن يَقرأ لك ككاتب فهنيئاً لك !!! أنت نجحت !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *