مقالات الدكتورة وفاء

وفجأة صارت المدرسة في البيت

Hqdefault

نعيش هذه الأيام ظروفًا غير اعتيادية حيث يمر العالم بأسره في أزمة فريدة من نوعها، فرضت علينا أنواعًا من المتغيرات التي لم نكن نتوقعها، أو حتى تخطر على بال أحدنا في يوم من الأيام، وقد نجد أنفسنا في بعض الأحيان وكأننا نعيش فيلما سينمائيًا، وتعترينا حالة من الذهول وعدم التصديق، وهذا أمر طبيعي في هذا الوضع الاستثنائي، نسأل الله تعالى أن يمدنا بالقوة ويرحمنا برحمته، و يكشف الغمة عن أمة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- أجمعين، وأن يشملنا بواسع رحمته ويرفع عنا البلاء بفضله وكرمه ومنته.

نحن موجودون ولابد من أن تسير عجلة الحياة، فدعونا نفكر ونحلل الوضع الراهن ما الذي يحدث اليوم؟! ما لنا نفكر بسلبية؟ تعالوا نكتب قائمة بالممنوعات والمسموحات لنراجعها،  فما الأشياء التي منعنا منها: الخروج من البيت، الصلاة في المسجد، الاجتماعات الأسرية،الذهاب للأسواق،التنزه والخروج للحدائق والسينمات، الذهاب للرياضة،الذهاب للمكاتب وأماكن العمل، ذهاب أبنائنا للمدارس …..  ، نعم أتفق معكم، فكلها أشياء اعتدنا عليها ونفتقدها جدًا صحيح، ولكن هذا هو الجزء الفارغ من الكأس، ولو نظرنا إلى الجانب الممتلئ منه فماذا نملك وما الأشياء التي لازال بإمكاننا القيام بها؟

نحن بحمد الله بصحة وعافية ولسنا منومين بالمشفى، وآمنين مطمئنين في بيوتنا، مجتمعون مع أفراد أسرتنا، نقوم بأعمالنا، أبناؤنا يتابعون تعليمهم، بيوتنا مجهزة بكل ما نحتاج، لدينا من يخدمنا، جميع احتياجاتنا ممكن طلبها أو توفيرها، نستطيع القيام بأي موهبة نحبها، نستطيع التواصل مع أهلنا وأصدقائنا وجيراننا، لدينا إنترنت، وكهرباء وماء، فكروا معي ماذا أيضا ……………؟

أليست هذه جميعها نعم تستحق النظر فيها والحمد والشكر لله العظيم أن لا تزول؟

خلق الإنسان جزوعا وخلق الإنسان هلوعا وعجولا، هذه صفاتنا التي وصفنا بها الله تعالى في القرآن، وبعد كل منها يخبرنا بالبشرى للصابرين المحسنين الظن بالله والراضين بقضائه، فمحاولاتنا للتكيف والتعامل بفعالية وإيجابية مع الوضع الراهن هو قمة العبادة وقت البلاء، فلا تبحث عن ما يزعجك من الأخبار والمعلومات التي قد تضعف من عزائمك وتشوش حالتك الذهنية، فسيساعد مزاجك الإيجابي على حماية جهازك المناعي، في حين ثبت أن الأفكار السلبية تضعف جهازك المناعي وتجعله عاجزاً عن مقاومة الفايروسات، فلمَ لا نركز على المتغيرات ونحاول أن نتكيف معها لأنه لازال أمامنا مهام نقوم بها، ومسؤوليات نحتاج للقوة لأدائها وليس شيء مثل التفكير السلبي يحبط عزائمنا، ويمنعنا من أداء المطلوب منا، في هذه العجالة لا يسعني تغطية جميع التحديات التي تواجهنا ولكن سأناقش فقط تحول الدراسة للبيت وأقدم بعض المقترحات التي أرجو أن تكون نافعة.

 

  • تحدثوا سويا وناقشوا الوضع الحالي، فأول شيء يحتاجه أبناؤنا لرفع عزائمهم هو تشجيعهم والتركيز على ما يستطيعون فعله، وما يمكنهم عمله والاستماع لما يواجههم من تحديات، فهم بحاجة ماسة لأن يعبروا عن أنفسهم، ويفهموا ما يمرون به، فكلما تحدثوا عن المشاكل استطاعوا استيعابها وتمكنوا من فهمها، اطلب منهم أن يعرِفوها، ثم ناقشوها وشجعهم على تقديم الحلول من وجهة نظرهم، وبمساعدتك ممكن أن تعتمدوا الناجع من هذه الحلول المقترحة.
  • مهم جدًا أن يرى أبناؤك ثقتك بالله عز وجل، ويتعلموا منك ذلك أخبرهم أنك تؤمن إيمانا راسخا بأن هذا الوباء سيمر وسنكون جميعاً في أمان، وممكن أن تقص عليهم بعض قصص الأوبئة التي عرفها العالم عبر التاريخ ومرت بسلام ، وبفضل الله أننا في هذا العصر ولا نرى المشاهد الصعبة والبشعة التي كان يشاهدها الأجداد مع وباء مثل الجدري والطاعون.
  • تحكم بمشاعرك وتغلب على قلقك حتى لا تنقله لأطفالك، حافظ على الهدوء والراحة النفسية في البيت، استمع للقرآن الكريم، وخصص وقتًا لترتيله، والدعاء والابتهال إلى الله تعالى بأن يرفع البلاء، كلفهم بمهام ومسؤوليات في البيت حتى تشغلهم وتشعرهم بالإنجاز، كما يمكن أن تروحوا عن أنفسكم بممارسة بعض الهوايات أو المسابقات الجماعية والرياضة وبممارسة بعض الألعاب الترفيهية .
  • اتفق مع طفلك وأفهمه أن الوضع الآن مختلف، وأنه سيحضر الدروس من البيت ثم سيحل الواجبات، حافظ على الانضباط في المنزل خذ الموضوع بجدية، وأشعر أبناءك بأن الوضع جاد، ولا يمكن التهاون فيه لأنه يتعلق بصحتهم ومستقبلهم، وهي أمور التهاون والتلاعب بها له آثار كثيرة وممتدة، اربط كلامك بالمستقبل، وتخيل مع طفلك عواقب التهاون، واطرح السيناريوهات الممكنة في الحالتين؛ فهذا يساعد على الفهم.

 

  • رتب الوقت في البيت فهذا العماد الأساس للراحة، ضع نظامًا محددًا لوقت الوجبات والنوم والتزم به، ولا تشعرهم بالفوضى فهي تثير القلق والتوتر، وعدم التنظيم قد يدخل الطفل في مشاكل ضعف التغذية، أو الإجهاد وغيرها…، ارفع وعي طفلك بقيمة الوقت، وأهمية استثماره، أشعره بأنه هو قائد وقته، والمتحكم فيه، واجعله يساهم في وضع الجدول اليومي الخاص بمذاكرته ولعبه وهواياته وكذلك تلقي دروسه …،  ناقش معه الأوقات المرنة مثل وقت اللعب والرياضة وتنفيذ الواجبات، والأوقات المحددة مسبقًا والتي ليس بإمكاننا تغييرها مثل موعد الالتقاء بالمعلم ومواعيد الصلاة مثلا، جزئ وقت المذاكرة لساعات منفصلة تتخللها أوقات استراحة؛ حتى لا يشعر بالضجر، وبالإمكان استخدم ساعة الإيقاف لتحديد الوقت؛ فهذا ممكن أن يشعر الطفل بالتفوق على نفسه.
  • بعد المناقشة وترتيب المواعيد  نظم وقت العمل للطفل، ضع الجدول النهائي وخطط معه الجدول الأسبوعي واليومي،  وخصص وقتًا محددًا لتلقي الدروس، وآخر لحل الواجبات والمذاكرة يكون ثابتاً، وله ضوابطه الأساسية ، انتبه أن يكون فيه طفلك في ذروة نشاطه، وأن لا يتعارض مع وقت اللعب أو الوجبة؛ حتى لا يجد صعوبة في التركيز، وحاول تذليل الصعوبات التي يواجهها الطفل من خلال المتابعة وتوفير احتياجاته من سماعات وانترنت وأجهزة مناسبة، كن قريبا في حال احتاج لمساعدتك، افتح المجال له للتواصل مع زملائه في الصف عن بعد فهذا يساعده على الاستيعاب، ممكن عمل مجموعة تَعلُم خاصة بعدد بسيط من زملاء طفلك يتبادلون فيه المعرفة ويناقشون ما تعلموا ويساعدون بعضهم لفهم الدروس.
  • تذكر أن دورك في هذه الفترة ليس معلماً بديلا ولكن مساعدًا وميسرًا بين الأطراف، والأهم صديقًا لطفلك، قدم المساعدة قدر المستطاع ولا تكلف نفسك فوق طاقتها، لأن المعلم مؤهل لتقديم المعلومة، وأنت تحاول جهدك للمساعدة، فلا تقسُ على نفسك وتحاول أن تؤدي دورًا ليس دورك، ولا تضغط على طفلك مالم يكن في مرحلة مصيرية؛ بأن يحصل على أعلى الدرجات، قوموا بما تستطيعون واتركوا الباقي على الله.

 

  • اختر مكاناً هادئاً، يساعد الطفل على التركيز، وجهزه بالإضاءة المناسبة، وأدوات الاستذكار ( أقلام، حاسوب، مكتبة صغيرة….)؛ ليكون بعيدًا عن غرفة التلفزيون ومحادثات إخوته، أو أي أنشطة تدور قد تشتت انتباهه، وممكن أيضًا تعليق لوحة على الحائط، أو استخدام حامل تعلق عليه جداول المواد، ومذكرة الواجبات اليومية، ليستعين بها الطفل فيكتب ويخربش عليها فتكون الأفكار واضحة مثل سبورة المدرسة.
  • شجع طفلك على البدء بالواجبات الأكثر صعوبة؛ لأن ذهنه يكون صافياً ونشيطاً، أما إذا كان يحتاج لتشجيع أكبر ونوع من التحفيز، فاجعله يبدأ بالسهلة منها؛ حتى يشعر بالإنجاز، شجع طفلك على تدوين واجباته المنزلية بنفسه في مفكرته الخاصة، شجعه على ذلك بوضع ملصقات مشجعة عند كل واجب ينتهي منه، أو رسم وجه ضاحك، أو نجمة، ودعم طاقته بعبارات الثناء والمديح، ركز على جوانب قوته واثن عليها، ثم شجعه على التحقق من الإجابات الخاطئة بقولك: ( متأكد أنك إذا تحققت من هذا أكثر فلن تحصل على إجابة مختلفة؟).
  • لا تبق ملازماً لطفلك ولا تحم حوله أثناء جلسة التعلم، أو الواجبات المنزلية، اتركه وحده تدريجياً، حتى يتعلم الاعتماد على نفسه، ولا يصبح (متعلماً عاجزاً)، إذا شعر الطفل بالملل في أحد المواد اقترح عليه تغيير المادة، أو تبادل الحديث معه؛ لتكسر ملله، مهم جداً تجنب القيام بمهام طفلك بدلًا عنه، فنتيجة ذلك قد تكون خطرة، فقد يشعر طفلك بالفشل، وعدم الكفاية، وتدمر قدرته على الاعتماد على نفسه، تنبه للغة جسدك أثناء متابعة طفلك، لا تتنهد أمامه أو تعقد حاجبيك فالأطفال يتأثرون بالرسائل السلبية غير اللفظية، وتشعرهم بالإحباط والغضب وخيبة الأمل، بينما مجرد الابتسام أو التربيت يضاعفان الجهد ويساعدان على مواصلة العمل.
  • ممكن أن تكسب طفلك بعض المهارات التعليمية التي تساعده على الإنجاز، مثل عمل خرائط ذهنية للمواد، أو رسم ملخص ملون للمحتوى، أو الحفظ بطريقة اللعبة، ممكن أيضا أن تجد استراتيجيات تعليمية متنوعة سهلة كثيرة متوفرة على الشبكة العنكبوتية يمكنك توظيفها لمساعدة طفلك مثل التعلم النشط، كما يمكنك أن تطبق بعض التجارب العلمية التي في المقرر مع طفلك لتكون نوعًا من التطبيق العملي، فهذا يساعد على أن يجعل التعليم ممتعاً، ويكسر الروتين والملل في البيت ، كما يساعد على رفع مستوى الفهم والاستيعاب.
  • فكر فيما أتيح لك من فرص بتحويل المدرسة للبيت، فطالما كنت تود معرفة ما يدور داخل فصل طفلك، وتتوق لمقابلة شخصيته التي تظهر في المدرسة، وتتعرف على الجوانب المخفية، هذه فرصة فأنت اليوم داخل الفصل مع طفلك والمدرسة لا تستطيع إخفاء أي شيء عنك، اغتنم الفرصة، وكن ملاحظا فطنا امتدح السلوكيات الصادرة من طفلك والتي تعجبك، وناقش السلبي منها وفكر كيف ستعدله.

 

أخيرا ما يحدث في الظروف الاستثنائية عادة يحفر في الذاكرة ويعاد روايتها مرارًا، وهذه فترة وستمر حتما بإذن الله تعالى، ولكن سيبقى منها قصص وذكريات تروى عبر الزمن، فلم لا نجعلها جميلة؟ استمتع بالتجربة وتتعلم منها واستثمرها في النافع لك ولطفلك.

 

 

 

 

 

 

 

One thought on “وفجأة صارت المدرسة في البيت

  1. يقول خولة هلال لوتاه:

    شكرا أستاذة وفاء الطجل ،مقال جدا رائع مفيد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *