مقالات الدكتورة وفاء

وطني عربي

مر الوقت ومضى ما يزيد على خمسة وعشرين عامًا قضاها محمد العربي المسلم وزوجته نورة في بلد لا يسمعون فيه العربية إلا في بيتهم، إلا أنهم نجحوا وبتوفيق الله في الحفاظ على عهد قطعوه على أنفسهم فقد كبر أبناؤهم يتقنون العربية ويفهمون القرآن الكريم ويقرأونه، إلى جانب نجاح الأبناء وتمكنهم من لغة البلد التي هم فيها، لقد تعاهدا من اليوم الأول الذي وصلا فيه على المحافظة على هويتهم وثقافتهم الإسلامية العربية السعودية التي سينشئون عليها أطفالهم، وستكون هذه مسؤوليتهما في البيت، وبقيا حرييصين جدا على ذلك مع أطفالهما، فكانت لغة الحديث فيه دائماً العربية، وقد خصصا في يوم الجمعة جلسة قرآنية لا تنقطع مهما كانت الظروف، هكذا حافظت الأسرة على ثقافتها وحضارتها في بلد الغربة طوال هذه السنوات، حيث كانا مؤمنين بقناعات وقيم ثابتة بأن جذور أولادهم لابد أن تكون قوية وانتماءاتهم واضحة، كي لا يتعرضوا لخطر الذوبان في الثقافة الجديدة التي كانوا مضطرين على العيش فيها.

عادت الأسرة بعد كل هذا الغياب إلى أرض الوطن فخورين بإنجازهم وما حققوه من نجاحات أضافوا عليها تمسكهم بقيمهم ولغتهم وهويتهم، وكانت المفاجأة أن أطفالهم العائدون من الخارج يتحدثون العربية ويقرأون القرآن بفصاحة أفضل من أبناء عمومتهم المقيمين هنا !! والملتحقين بمدارس عالمية يدرسون فيها بالإنجليزية، كما أن آباءهم العرب المسلمين مع الأسف يتحدثون معهم بالإنجليزية داخل البيت وخارجه لدرجة أنهم أصبحوا  يتكلمون العربية بصعوبة وبلكنة مكسرة…فغمرت محمد ونورة الدهشة وتعجبا لهذا الحال

لنفكر معا بصوت عال، لوطننا السعودية صفة خصوصية تميزه عن العالم كله بل تعد تاج مكانته، فبلادي هي مهبط الوحي وقبلة المسلمين،  فإذا كنا كذلك فكيف و متى نقدم الفرص التعليمية لأبناء الوطن الذين يشكلون إمتداده ويحملون ملامحه، لكي يعوا ويدركوا هذه المكانة وماهي أصولهم وينهلوا من معين ثقافتهم الإسلامية والعربية، ألا يحتاجون إلى أن يعرفوا الأحداث العظيمة التي حدثت على هذه الأرض المقدسة والتي خرج منها خاتم الأنبياء ونزل عليها آخر الوحي وآخر الكتب السماوية وبها أطهر بقاع الدنيا و قبلة الإسلام والمسلمين، ولها يحج كل مسلمي العالم.

نحن نعيش في وطن ينتمي للعالم العربي وهي خصوصية أخرى تضاف للإسلام، فبلادنا تحمل رسمياً اسم المملكة العربية السعودية، وحتى بالإنجليزية فاسمها أيضاً:  “Kingdom of Saudi Arabia”  هذا يعني أن العربية صفة ملتصقة باسم الدولة وكينونتها التصاق العين بالرأس، ولغة الدولة في دستورها هي العربية، ولغة أرضنا الأصلية عربية، إذا فهذا وصف ملازم لهويتنا السعودية، فماذا حصل وكيف سيكون الحال مستقبلا مع أجيال تغتال لغتها بيدها وتقطع صلتها بجذورها، مع إهمال ذويهم تعليمهم العربية وأصول الدين؟!

في اليوم الذي نحتفل فيه بوطننا الغالي… لنفكر ونراجع أنفسنا، كيف عززنا هذه الخصوصية والهوية وهذه القيم والانتماءات في نفوس أبنائنا؟! لننظر نظرة بعيدة نحو المستقبل هل نرى أن هذا الجيل الذي يتعلم ويفكر ويمارس حياته بالإنجليزية سيبقى عربياً؟ وإذا كانوا لا يتقنون العربية فكيف سيقرأون كتابهم وحضارتهم، وكيف سينقبون في كنوز هذا الإرث العظيم الذي هم أولى به؟ فعجزهم عن القراءة بالعربية ألن يحرمهم الكثير؟!

وعندما يكبر هذا الجيل المتفرنج فهل هناك احتمال أن تصبح العربية غريبة في أرضها وبين أبنائها؟ ألسنا بحاجة لوقفة تأمل ولحظة مراجعة للذات؟.

أحيي كل أم وأب يعلمون أبناءهم أصولهم ويهتمون بالعربية ويعلمونهم إياها، ويعتزون ويفخرون بإرثهم وحضارتهم، وأشد على أياديهم كي يستمروا على هذا النهج رغم كل الصعوبات في زمن لم تعد فيه العربية هي لغة العلم ولا العالم، لكنها ستبقى لغة الدين والوطن، فبجهدكم تعزز الهوية وتثبت الجذور فيطيب الثمر.

 

One thought on “وطني عربي

  1. يقول سمر الخالدي:

    مقال صريح وشفافية مطلقه لواقع أليم تخلى فيه كثير من الناس عن هويتهم ( لغتهم العربية القوية والرائعة)
    بدعوى للتطور ومواكبة العصر وغاب عن اذهانهم جمال وروعة مفردات لغة القرآن وبلاغة المعاني ودقة التعابير والتي لا يفهمها الى العربي من اباءه واجداده
    اللهم اصلح احوالنا وذرياتنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *