مقالات الدكتورة وفاء

مُد الجسور ولا تقطعها

لعل معظمنا شاهد الفيديو لمذيع يتجول في السوق وهو يقابل عددًا من الأطفال ويسألهم عن صورة السلحفاة ما هذه؟ فيردون “ترتل” ما اسمها بالعربي فلا يعرفون، ويستمر في عرض صور مختلفة تمساح فيقول “اليجيتور” فلا يعرفونها فيقول المذيع يا ضياع العربية، وفي مشهد آخر يسير المذيع في الشارع ويسأل الشباب هل تستطيع أن تتحدث الفصحى لمدة دقيقة فتسمع العجب العجاب لغة مهلهلة مختلطة تشوهها العامية فما سبب هذا الضعف ولماذا أصبحت الفصحى غريبة بين أبنائها؟… دعونا نضع الموضوع تحت مجهر البحث ونحلله من بدايته.

في ظاهرة مشاهدة للأمهات العربيات أصبحت لغة التحدث مع أبنائهن هي الانجليزية، فلعلهن يعتقدن كما يعتقد كثير غيرهم من الآباء أنهم ليجعلوا أبناءهم أكثر استعدادًا للتعلم وتواصلًا بعلوم العصر، فعليهم أن يتحدثوا معهم بالإنجليزية ويبدؤون مبكرًا جدًا وهم رضع في تعليم اللغة كي يتقنها الصغار مما سينعكس على تحصيلهم بصورة إيجابية في المراحل الدراسية اللاحقة، وهذا في ظنهم من شأنه أن يجعلهم أكثر نجابة فيسبقون أقرانهم الذين لم يتعلموها في عمر صغير، ولعل الآباء يعتمدون في ذلك على خبرات سابقة حيث أنهم يعرفون أن اكتساب اللغة في سن الثلاث سنوات يكون سريعاً، وأن الطفل الذي يتعلمها في هذا العمر يكون أسلوب نطقه صحيح ومخارج الأصوات لديه سليمه، وهذه حقيقة علمية حيث أن المجال اللفظي والصوتي يبدأ في التكون في عمر الثلاث سنوات الأولى، وسيتمكن الصغار من النطق الصحيح لمخارج الأحرف على عكس الذين يتأخرون في تعلمها فيصعب عليهم ذلك؛ كما أن الفترة المثالية لاكتساب اللغة هي ما بين الثلاث والخمس سنوات إذ يتمتع الصغار بقدرات هائلة على التقاط الأصوات اللغوية والقواعد النحوية بسرعة بينما يصبح الأمر أكثر صعوبة ما بين الثامنة والعاشرة من العمر وهذا صحيح علميًا.

لعل هؤلاء الآباء لا يعلمون أن مخارج الأصوات للغة العربية تتسع إلى سبعة عشر مخرجًا تمتد من الأنف إلى الجوف وهذا مجال أوسع من كل لغات العالم؛ مما يمكن متحدث العربية من نطق أي لغة أخرى فيما بعد، فلو تعلم الطفل مثلًا الانجليزية أولا فسيصعب عليه نطق أصوات مثل الحاء والطاء والضاد وغيرها والعكس لو بدأ بالعربية فلن يصعب عليه نطق أي لغة أخرى، إذًا من المهم أن لا يتعرض الطفل للغة ثانية قبل أن يتمكن من التعبير عن نفسه باللغة الأم ويلفظ معظم أصواتها ويكون لديه قاعدة مبدئية يؤسس عليها بناءه للغات الجديدة فلا يجب أن يكون ذلك قبل عمر الثلاث أو الأربع سنوات، ولا تزال الفرصة متاحة لتعلم لغة بل لغات جديدة لاحقًا في مراحل عمره القادمة وهذا ما أشار إليه العالم شومسكي حيث ذكر أن “البرامج المدرسية التعليمية التي تتبنى أسلوب التعليم باللغة الأم ثم بلغة ثانية أجنبية فيما بعد أثبتت نجاحًا ملحوظًا في العديد من مناطق العالم، كما أنها حققت نتائج إيجابية مهمة سواء على الصعيد النفسي أو الاجتماعي أو التربوي للطفل، إضافة إلى أنها تساعد الطفل في توظيف القدرات والمهارات التي اكتسبها باللغة الأم في تعلم لغة ثانية فيما بعد.

والخطر الأخر الذي حذر منه عدد من التربويين وخبراء اللغويات هو تحدث الآباء مع أبنائهم بلغة غير لغتهم الأم في السنوات الأولى من العمر، حيث أثبتت الدراسات أن ذلك السلوك لا يقدم للطفل أي نوع من الفائدة لأسباب نفسية وانفعالية كثيرة بل على العكس قد يضره، فيؤدي إلى تداخل لغوي في ذهن الطفل ويجعل هناك تشتت في تكون هويته وانتماءاته مما يؤثر على نموه الاجتماعي والعاطفي، ولازالت الأبحاث يومًا بعد يوم تؤكد على ضرورة تواصل الوالدين مع الطفل بلغتهما الأصل أو ما تسمى اللغة الأم، فهي الأفضل كونها لغة التفكير والشعور والأهم أنها تحدد هويتهم وتعبر عن أحاسيسهم تجاه الطفل، الأمر الذي يسهل عليه اكتسابها واتقانها وفتح الملف اللغوي الأول في دماغه والذي يمتلئ بالمشاعر مما يرفع تقديره لذاته ويوصله بهويته وانتمائه لمجتمعه وثقافة بلده.

إن البيئة اللغوية المحيطة بالطفل -البيت والروضة والمجتمع – لها دور كبير في مستوى نمو وتطور اللغة لدى الطفل فيجب على القائمين على الطفل في هذه البيئة أن يدركوا ضرورة إتقان الطفل للغته الأم بشكل جيد في السنوات الأولى من عمره، هذا من جهة ومن جهة أخرى فهناك تحديات جمة تواجه الطفل العربي مما يستدعي تثبيت علاقته بالفصحى مبكرًا فهو يستمع ويتعامل لأكثر من ثمانية وعشرون لهجة عامية عربية تكون لغة التحدث في البيت والروضة والشاشات، أما لغة الكتابة والقراءة في المدرسة و ما تسمى باللغة الأكاديمية فهي اللغة التاسعة والعشرون أضف لذلك اللغات الأجنبية الأخرى التي ربما يضطر الى أن يدرس بها، وأثبتت الدراسات بشأن تقييم مستوى أطفال العالم في إتقان واستيعاب اللغة بأن الأطفال الغربيين لديهم فرص أكبر لإجادة اللغة أكثر بكثير من أقرانهم العرب؛ لأنهم يتحدثون ويسمعون نفس الكلمات منذ الولادة وحتى المدرسة، فلا تختلف في الانجليزية اللغة الأم عن اللغة الأكاديمية ف water نفسها ماء التي يسمعها منذ الولادة ويكتبها في المدرسة؛ وبذلك تكون حصيلتهم اللغوية أكبر وأقوى فهي موحدة حيث تزيد عن 16000 كلمة قبل دخولهم للمرحلة الابتدائية، أما أطفالنا العرب فإنه يصعب عليهم إتقان اللغة فحصيلتهم اللغوية العامية الفقيرة لم تتعدى 3000 كلمة فماء وحدها (موية ومي وميه ….) فما بالكم بالفصحى كم تتوقعون هي حصيلتهم؟.

في إحدى النشرات الدورية لجامعة هارفارد نشرت على موقعهم عام 2007م عن الحصيلة اللغوية للأطفال قبل المدرسة أشارت الكاتبة لورا بابلو أن مجموعة متزايدة من الأبحاث التطبيقية تبين أن بناء مفردات متطورة في سن مبكرة يعد مفتاحًا لزيادة نجاح القراءة وتضييق فجوة الإنجاز الأكاديمي في المدرسة، وحيث أن تطور اللغة خلال السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل يعد الأكثر عمقا ، فهو وقت حاسم لتعريضه قدر المستطاع للكلمات والكتب، لتوفير أكبر قدر من المفردات المكتسبة الأساس اللازم لتطوير اللغة، فإذا كان الطفل لم يتعلم التحدث والاستماع للغة الأكاديمية من سن مبكرة، جنبا إلى جنب مع تطوير فهمه لمعنى الكلمات والقصص، فسوف يعاني لأجل تعلم القراءة عندما يذهب إلى المدرسة الابتدائية.

ويقول أندرو بيميلر الأستاذ الفخري بجامعة تورنتو ومؤلف كتاب ” الكلمات التي تستحق التدريس” لنضمن تفوق الطفل ونذلل له الصعوبات التي ربما يواجهها أثناء تعلم القراءة فعلينا أن نحرص على اكسابه ما لا يقل عن 6000 كلمة بنفس اللغة الأكاديمية التي سيتعلم بها حيث أثبتت الأبحاث أن الأطفال الذين لا تزيد حصيلتهم عن 4000 كلمة معرضين لصعوبات تعليمية، بينما المتفوقون هم الذين تتجاوز حصيلتهم 8000 كلمة كان من السهل عليهم اكتساب المزيد من الكلمات وتعلم قواعد اللغة بصورة أسرع، ويفصل الدكتور أن السنة فيها 48 أسبوع وهناك وقت كاف لدى الآباء والمعلمين لتعليم الطفل من 16 إلى 24 كلمة في الأسبوع من خلال تبادلهم الحديث مع الطفل وقراءة القصص أو مناقشة الكلمات التي اكسبها من خلال مشاهدته لبرنامج ما ليبنوا هذه الحصيلة في الست سنوات الأولى قبل دخول المدرسة.

في تاريخنا الإسلامي كان الطفل من 3-6 سنوات يذهب إلى الكتّاب ويحفظ القرآن الذي يكتسب معه 50 ألف كلمة وهي حصيلة لغوية كبيرة ثم يقوم في عمر 6-7 سنوات بحفظ الحديث ودراسة ألف بيت من آلفيه ابن مالك ناهيك عن النماذج النحوية الراقية وقواعد اللغة الفصحى التي يتعامل معها وتطرز ذاكرته اللغوية بجواهر ترتقي بمستوى تعبيراته، وهذا ما يجعله يخشع عند سماع الآيات القرآنية ويتذوق الأشعار العربية ويستمتع بسماعها، فإذا كان هذا ليس بمتناول الجميع في الوقت الحاضر ولا تتاح هذه الفرصة لكل الأطفال العرب فلا نختلف أننا وصلنا لنتيجة غير مرضية مطلقًا، فقد ضيعنا على الطفل أفضل فترة في عمره ليتعلم اللغة ، فإذا فاته هذا الكسب العظيم فليس أقل من أن نعمل على إزالة الغُربة بينه وبينها، فنقرأ له القصص ونفسر سور القرآن والأحاديث ونخصص وقتًا للتحدث أو سماع الفصحى حتى لو من خلال برنامج تلفزيوني أو لعبة في تطبيق إلكتروني فزيادة عدد المفردات الفصيحة لأطفالنا واجب لحماية لغتنا العظيمة ومد جسور التواصل مع أحفادها قبل أن يكون مهم لنجاحهم الأكاديمي

حيث لا تزال العربية هي لغة التعليم في بلادنا ويتعلمها التلاميذ في المدارس العالمية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *