مقالات الدكتورة وفاء

مكونات المواطنة

نعيش اليوم واقعًا يجسد هيمنة اللغة الواحدة والانفتاح على العالمية ،ونتعرض لماكينة إعلامية متمكنة قوية، نعاصر الشركات العالمية العملاقة المنتشرة في معظم العواصم، والتي تعمل معاً بقصد أو بدون على طمس الهوية الوطنية الحضارية والخصوصية الثقافية للمجتمعات، فلو وقف جَمعٌ من الشبان من جنسيات مختلفة في صف واحد ونظرنا إليهم من الخلف دون أن نرى وجوههم؛ في الغالب سيصعب على الناظر تمييز جنسياتهم وسيبدو الهندي مثل الصيني مثل العربي مثل الإيطالي.. فجميعهم يرتدون نفس البنطال المشترى من إحدى العلامات التجارية، ويلبسون قمصانًا من علامات أخرى تكون موضة، وحتى قصة شعرهم قد تبدو متشابهة ولو سألتهم عن

اهتماماتهم ومن يحبون من المشاهير ستكون إجاباتهم غالبا متفقة، ونكتشف أنهم يأكلون من نفس المطاعم السريعة العالمية، ويقضون أوقاتهم على هواتفهم النقالة يلعبون نفس اللعبة ويشاهدون نفس المسلسل، وربما نجد أن جميعهم يتحدثون الإنجليزية ويشجعون بطل الكرة ذاته ،ويسمعون لفرقة بعينها، وليت الأمر يتوقف على المظاهر دون أن تتأثر القيم والأخلاقيات، فإلى أي مدى نحن بحاجة إلى حماية الهوية الوطنية والثقافية وتعزيز الفهم الصحيح للمواطنة؟

لا تتمايز المجتمعات الإنسانية إلا بهوياتها الثقافية المتصلة بجذورها الحضارية والتي تتشكل من مجموعة القيم والانتماءات والولاءات، كما يفترض أن تظهر في سلوك أهلها و طعامهم وفنونهم وأزيائهم ومبانيهم وجميع أشكال الحياة اليومية فيها، إن حماية الهوية الوطنية الثقافية من تيار العالمية الطاغية أمر تُقضُ له المضاجع، فلو اتبعنا أسلوب المنع والانغلاق عن العالم والابتعاد عن الثقافات الأجنبية نخشى أن يوصلنا إلى الجمود والتخلف، ولو تركنا الحبل على الغارب ؛فإن التعرض المستمر لمثل هذه التيارات يؤدي إلى مسخ و ذوبان للهوية الوطنية واندثار للقيم، ومع الوقت نخشى أن تنقطع جذور الصلة مع الحضارات المكونة لهذه الهوية، فما السبيل بين المنع والانفتاح ؟

وفق هذه المعطيات تبدو الحاجة ملحة لإرساء قواعد ومكونات المواطنة المُمَيزة للهوية الثقافية بصورة تضمن الاستقبال الواعي للعطاء الإنساني الوارد من الثقافات الأخرى، مع الحفاظ على الموروث الوطني والتمسك بالأصل الحضاري ليكون أبناؤنا أشد عودًا وأصلب قالبًا، مثل النخلة الأصيلة جذورها ثابتة لا يمكن للتيار مهما كان قويًا أن يجرفها، ولتلبية هذه الحاجة دعونا ندرس بشكل أعمق المكونات الأساسية للمواطنة في شخصية الطفل، وهي مسؤولية جماعية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع.

بدايةً لنميز بين الشعور بالوطنية وفهم معنى المواطنة الصحيحة، فحب الوطن والشعور بالحنين إليه والدفاع عنه هو إحساس غريزي لدى الفرد تجاه الأرض التي ولد عليها وقضى فيها مراحل من حياته وله فيها ومعها بعض الذكريات، بل ربما تشاركنا بعض الكائنات في هذا الشعور فالنباتات من الصعب جدا زراعتها والحصول على نفس الجودة لثمارها في غير أرضها، وكذلك الطيور المهاجرة لا تبني أعشاشا في أرض المهجر، فحب الأرض شعور فطري والبقاء في الأوطان والأمن فيها نعمة عظيمة، والاضطرار إلى الهجرة يعد من المحن والاختبارات الكبرى على الإنسان، وحين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم نظر لمكة وقال ما أطيبك من بلد! وإنك لأحب بلاد الله إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت، وقال العرب قديمًا الفيلة في منامها ترى الهند والإبل على غلظ أكبادها تحن إلى بلادها.

أما المواطنة فهي العلاقة التي تجمع الفرد بوطنه وتتحدد بجناحيها الحقوق والواجبات التي ترسم صور الولاء والانتماء، وهي نوع من الاتفاق بين الفرد ووطنه حيث يكفل الوطن للمواطن حقوقًا مثل حفظ الدين والأمان والحماية والتعليم .. وغيرها، ويٌلزمه بعض الواجبات مثل الدفاع عن الدين والوطن والمشاركة في بنائه وحفظ خيراته …إلخ ، فلا يكفي لتحقيق التربية الوطنية الاهتمام بالشكليات وترديد الشعارات والأناشيد التي نُحفِظها للطفل رغم استحبابها ؛بل هناك عناصر أساسية ينبغي أن تكتمل حتى تتحقق المواطنة، ويمكن أن تُشرح للطفل بصورة مواقف حية وقصص وجلسات نقاش ومن المهم أن تبنى هذه الأسس في مراحل الطفولة المبكرة وهي :

  • أولاً: حقوق وواجبات المواطن، والتي رسمها لنا الدين الإسلامي وحدد أطر العلاقة بين المواطن ووطنه لتعريف الطفل والتحدث معه ودعوته للتفكير فيها ، ليفهم كل منهما ما له وما عليه كما قال الحق تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء:59
  • ثانيا: تعزيز الهوية الوطنية في نفس الطفل وجعله يفتخر بأصله من خلال تقديره لذاته ومجتمعه و الاعتزاز والفخر بهويته التي تظهر في الزي والطعام مع توضيح بُعدها الثقافي والحضاري.
  • ثالثاً: الانتماء للمجتمع والتعرف على عاداته وتقاليده، ونبدأ بتعريف الطفل انتماءاته الأوليةالتي تبدأ بالعائلة الصغيرة ثم الأسرة الممتدة ثم المجتمع …..وصولا للغة والدين ، ومن ثم مد جذور الصلة مع المعتقدات والمكونات الثقافية التي بنيت عليها تقاليد المجتمع.
  • رابعاً: المسؤولية المجتمعية في دعم شخصية الطفل فنبدأ بتحميله مسؤوليات صغيرة في البيت ثم تعريفه بمعنى المسؤولية المجتمعية بصورة سلوكيات من أمثلتها المحافظة على خيرات الوطن وثرواته مثل الماء والكهرباء .. ليكون مسؤولاً قادرا متمكنا في المستقبل.
  • خامساً: المعايشة وأخلاقيات التعامل مع الآخر، حيث نعلم الطفل كيف يتخلق بالأخلاق الإسلامية، ونعلمه فوائد الالتزام بجميع الحدود والقوانين والضوابط التي تكفل حياة عادلة له وللآخرين.
  • سادساً: المشاركة المجتمعية بتعريف الطفل ضرورة المساهمة في بناء الوطن وتطوره وأن رفعة الفرد برفعة وطنه، والمشاركة في الأعمال الخيرية والتطوعية وأنه أقل شيء نقدمه للأرض التي عشنا عليها وتمتعنا بخيراتها.

أخيرا لكل مفهوم في الحياة نوع من التنشئة إذا تعهده المربي وصل لهدفه، وفيما يخص التربية الوطنية الواعية: لو تربى الطفل على أسس المواطنة واستوعبها ومارسها وشاهد نماذج مؤثرة في المجتمع تمثلها، وعرف ارتباطها بالعروبة والإسلام التي تشكل الأبعاد الحضارية والجذور المثبتة للسلوك، فبلا شك وبإذن الله سيتكون لديه فهم واضح لمعنى المواطنة الصحيح وكيف سيكون المواطن الصالح ويتحصن من تبعات التعرض للتيارات العالمية الغريبة والتي لا تتوافق مع وطنيته.

أسأل المولى عز وجل أن يحفظ أبناءنا ويجعلهم من الصالحين ويعيننا ويسدد على الخير خطانا ، وأسأله تعالى أن يعز وطننا ويحميه وجميع أوطان المسلمين.
اللّهم آمين يا رب العالمين.

One thought on “مكونات المواطنة

  1. يقول سمر:

    كلام في الصميم والواقع مؤلم
    فعلاً نحتاج الى نشر الوعي بين الشباب المنجرف بتيار اقوى من قدرته على المقاومه خاصة ان النظره للوطن منحصر جداً والهويه الاسلاميه والعربية بدأت بالاندثار تدريجياً مع الانبهار بحضارة خادعة مضلله
    والاطفال بامس الحاجه للتعلم وتقوية هذا الجانب لانشاء جيل واعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *