مقالات الدكتورة وفاء

لنعرف قيمتها .. قبل أن تضيع

جلس رجل في صباح يوم كانوني بارد في محطة قطارات الأنفاق في العاصمة واشنطن، وبدأ يعزف على كمانه مقطوعات موسيقية لبيتهوفن. عزف الرجل لمدة 45 دقيقة، مر خلالها آلاف الناس من هناك؛ أكثرهم ذاهب إلى عمله في زحمة الصباح، كان مجموع الأشخاص الذين توقفوا واستمعوا لعزفه دفع له المال نحو 20 شخصاً وعادوا للسير.

لقد جمع 32 دولاراً حتى الآن، وبعد انتهائه من العزف، عم الصمت محطة المترو، ولم يصفق له أو يشكره أي شخص، لم يعرف المارة أن عازف الكمان هو جوشوا بيل أحد أشهر وأفضل الموسيقيين في العالم، وقد كان يعزف إحدى أعقد المقطوعات الموسيقية المكتوبة على الكمان في العالم تقدر قيمتها بـ 3,5 مليون دولار، كان قد عزفها قبل يومين في قاعة مكتظة في أحد مسارح بوستون، وبلغ سعر البطاقة 100 دولار أمريكي؛ لقد عزف جوشوا بيل متخفياً في محطة مترو الأنفاق كجزء من تجربة اجتماعية قامت بها صحيفة الواشنطن بوست عن الإدراك الحسي والذوق والأولويات عند البشر، وكانت النتائج أن الإنسان يقفد القدرة على رؤية الجمال واستشعار قيمة الأشياء من حوله إذا كان في مكان عام، ومزدحم،، ووقت غير ملائم.

أرجو ألا يفهم القارئ من استشهادي بهذا الموقف بداية المقال أنني أشجع على تعليم الموسيقى، ولكن الحكمة تقضي بأن نتعلم من التجارب حولنا، فالموسيقى فن والرسم فن والخطابة فن والتأليف فن آخر كل له قيمته في مجتمعه لكننا أحياناً تأخذنا مشاغل الحياة فلا نعطيها ما تستحقه من قيمه.

وبناء على دراسة حديثة نشرت في مجلة الجامعة الأردنية تظهر أن الوقت المثمر الذي يقضيه المربي في العالم العربي مع أطفاله لا يتجاوز الخمس دقائق في الأسبوع، بينما الواجب أن يكون بحدود العشرين دقيقة في اليوم وليس المقصود هنا مجرد التواجد مع الطفل، أو إلقاء الأوامر والتوجيهات عليه، بل وقتاً للمتعة والمشاركة: فجل ما يتمناه الطفل ليكون سعيداً هو مشاركة الكبار له ولو جزءاً من يومه، نقترب فيه من عالمه بعفوية وبساطة، نقرأ له، ونلعب معه، نشاركه أحلامه واهتماماته، ونعبر له عن حبنا ومتعتنا بصحبته، وهذا ما يزيد من تقديره لنفسه، ويدعم قدرته على بناء العلاقات الاجتماعية الناجحة لاحقاً، إننا وفي زحمة الحياة وتحت وطأة ضغوطها نغفل عن التمتع ببراءة الطفولة، وملاحظة أسرار جمالها، فيمضي اليوم وكل منا في عمله دون أن نجد الوقت للجلوس مع أطفالا والاستئناس بحديثهم أو سماع أحلامهم ورغباتهم ومشاركتهم في حل مشكلاتهم أو لنقل خبراتنا إليهم، وحتى لو استقطعنا لهم من وقتنا الثمين؛ فعلى الأغلب لا نكون خالصين لهم، بل تشغلنا هواتفنا وعلاقاتنا وهمومنا لنجلس معهم قالباً بلا قلب، ولا نصحو إلا و (العيال كبرت)، وليت هذا وحسب بل نردد أن أبناءنا أكبادنا التي تمشي على الأرض. وأنهم خير متاع الدنيا وزينتها، ثم نتفاجأ بالإحصائيات الرهيبة التي تصدمنا بواقع يهمل الطفل بل يعرضه لأنواع من الإساءة، عن قصد أو عن غير قصد؛ فالنتيجة واحدة أطفالنا مهملون أو مساء لهم.

فيا ترى كم من الأشياء الجميلة التي نمر بها كل يوم دون أن نعيرها أي اهتمام؟ ولا ندرك أننا ضيعناها إلا وقد فات الأوان، فإذا لم يكن لدينا الوقت للاستمتاع بأجمل اللحظات في حياتنا مع أبنائنا ففيم إذاً نضيعه؟
اللهم ذكرنا دائماً لأن أبناءنا هم زينة دنيانا، وأعنا على رعايتهم، وتنشئتهم على الوجه الذي يرضيك عنا، ويجعلهم لبنات صالحة في أمتهم وامتداداً صالحاً لنا بعد مماتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *