مقالات الدكتورة وفاء

لماذا نعلِّم الطفل الأفعال؟

من الملاحظات الملفتة على الأطفال الصِّغار أنَّهم وبمجرَّد أن يبدأوا بالكلام، تتسارع مكتسباتهم اللغوية، ويفاجئوننا بشكل مستمر كيف تتطوَّر قدراتهم النَّحوية على  تكوين الجمل، ومحاولاتهم المستمرة في تحسين كلامهم واستعمال كلمات وتراكيب جديدة ، ومن المشاهد أنِّ جملهم البدائيَّة تحتوي على أسماء الأشخاص والأشياء مثل ماما بابا كره وعروسة…

 تبدأ الأفعال بالدخول في كلام الطفل من عمر الثانية أو قبله بقليل، فنسمعه يقول مثلا: تعال، خذ، أعطني، أغسل، آكل، أشرب، كما يبدأ باستعمال كلمات مثل أحبك ، أنظر… في حين يلجأ للإشارة لعدم معرفته بالفعل المقصود.

في دراسات حديثة، ظهر أنَّ الأطفال الذين يمتلكون حصيلة وافرة من الأفعال متقدمون في اللغة والقدرة النحوية على أقرانهم الذين يمتلكون عددًا أقلّ، وقد بيَّنت الدِّراسة أنَّه خلال ستة أشهر فقط من التدريب لأطفال بعمر عامين على أسماء الأفعال التي يحتاجونها، ظهر تطوُّر نحوي كبير، وتمكَّن من صياغات جمل مركبة بشكل صحيح، واستعملوا الأفعال بصورة أفضل ، كما أشارت دراسات أخرى أنَّ فهم الأطفال لكلام الآخرين أيضا؛ ينمو ويتطور بتعلمهم المزيد من الأفعال ، وتُنبِّهنا الدراسات أيضا أنَّ التنوُّع وفهم معنى الفعل هو الأساس الذي يصنع الفرق في القدرات، فالأهم التّنويع والفهم، وليس الكمّ فقط ومجرّد التّحفيظ.

يختلف الأطفال في الوقت والطريقة التي يتعلّمون بها الأفعال، وكذلك في كيفية استعمالها في أحاديثهم، و عدد الأفعال في معجمهم، وهذا ما يشير له الباحثون في علم نمو الطفل، فقد لاحظوا أنَّ نطق بعض الأفعال قبل عامين أمر طبيعي، وأنَّ حصيلة الطفل تصل إلى ما يزيد عن(40) فعلًا بمجرد بلوغهم العامين أو بعد تجاوزها بقليل، وقد لاحظ الباحثون أيضا أن هناك الأطفال ممن يظهرون  قدرات لغوية منخفضة فلا تتعدى الأفعال المستخدمة أكثر من 3-6 أفعال، حيث يواجه العديد من الأطفال متأخري الكلام صعوبة كبيرة في التعرُّف على الأفعال واستخدامها، وربما يُعزى ذلك ليس لضعف في قدرات الطفل بل إهمال تعليم الطفل للأفعال ، فمن الصعب على الطفل التقاط الأفعال مباشرة بمفرده بل يحتاج أحيانًا إلى المساعدة، وربما تكمن الصعوبة في كون أسماء (الأشخاص والأشياء) يراها الطفل ويسمعها ويلمسها بصورة واقعية ويومية، فهي ببساطة محسوسة أثناء تعلُّمه للكلمات، بينما بعض الأفعال قد تكون مجرَّدة فلا تتكرَّر في محيطه بشكل دائم أو يومي، فإذا لاحظ المربي أنَّ قاموس طفله يفتقر للأفعال، فعليه أن يدعم إكساب المزيد من الأفعال ، ويسرع بالتدخل لزيادة حصيلة الطفل وتقوية قدراته اللغوية؛ لإنتاج جمل قصيرة تحتوي على أفعال.

إنَّ تعليم الأطفال أسماء الأفعال هام وضروري لتنمية لغتهم وتمكينهم من بناء جمل صحيحة، واختيار الفعل المحدَّد الذي يقصدونه، فبدونها لن يتمكَّن الطفل من الانطلاق في الحديث، فكلُّ الجُمل تقريبا تحتوي أفعالًا، وقبل ذلك بيِّن للطفل واشرح له معنى فعل، وتحرَّك بإشارات توضيحية تُمثِّل الفعل ،واجعل التَّعليم عمليًّا قدر الإمكان، فالطفل يتعلَّم أفضل عندما يقوم بنفسه بالعمل، وليس بمشاهدة الآخرين يقومون به، لذا شجِّع الطفل على العمل بعد المشاهدة ومحاكاة ما تقوم به، فمثلا : تُعلِّم الفعل فرِّش، كرِّره وأنت تقوم بالتَّفريش وقل أنا أفرِّش أسناني، وإذا كنت تسرِّح شعرك فقل له وأنت تقوم بالعمل: أنا أسرِّح شعري أو أمشِّطه، وعندما ترمي الكرة في السَّلة قل له أنا أهدِّف نحو السَّلة …فهذا سيساعده على تذكُّر الكلمة الجديدة، ويعرف معناها.

ولتساعد الطفل في تعلُّم الأفعال؛ احتفظ بقائمة من الأفعال التي يستعملها ويفهمها الطفل والتي تتكرَّر في كلامه بانتظام، تابعه ولاحظه وتأكَّد من نطقه الصَّحيح لها وتوظيفه الصَّائب، ثم ابدأ بإدخال أفعال جديدة بشكل تدريجيّ ، فكِّر في الألعاب والأطعمة المحببة لطفلك، وقدِّم له أفعالا ترتبط بهذه الأنشطة المحبوبة، مثلا: إذاً كان يحب لعب الكرة، فبإمكانك تكرار أفعال مثل ارم، هدِّف، صوِّب، امسك، التقط، ارفع، اركل، دحرج، اركض ….. ، أو إذا كان يحب مشاركتك في غسل الصحون؛ فانتهز الفرصة وزد حصيلة الأفعال لديه، وعلِّمه اشطف اغسل ، نظِّف، امسح ،نشِّف، صف، رتِّب ، انتبه، افرك… المهم أن تجعل الأمر يبدو طبيعيا ومرحًا، والسّر لنجاح العملية  هنا هو التِّكرار، فالأطفال بحاجة لسماع الكلمة أكثر من مرَّة في سياقات مختلفة ،قدِّم الكثير من الأمثلة المتنوِّعة لفعل معيَّن فهذا يجعل الطفل يفهم بوضوح معنى الفعل الحقيقي،  فكرة أخرى لتعليم الأفعال وهي: الاستعانة بفيديو والتَّفاعل معه، وذلك بالعمل والتقليد للأفعال التي شاهدها الطفل في الفيديو ، أيضا يمكنك أن تعلم الطفل كيف وأين يوظِّف الفعل، فمثلا: فعل مثل: مسح، قفل… امسح الزجاج والنظَّارة والطاولة والأرض… وفعل مثل: قُصّ، يمكن أن نقصَّ الورق أو الشجر أو القماش ….

خلاصة القول يجب أن يتعلم الطفل جميع أنواع الكلمات والأسماء والأفعال، فامتلاك الطفل قاموس أفعال ثريّ يمكِّنه من بناء الجمل والتحدُّث بطلاقة، وتأتي الأفعال في المرتبة الثانية بعد الأسماء، وقبل الضمائر والظروف، لأنها عنصر مهم بين المكونات البنائية للُّغة ، وهي التي تخبر بما نقوم به لأهميتها في تركيب الكلام، ورفع القدرات التعبيرية.

من الأفضل تعليم الأفعال من خلال مشاهدة الأطفال لك أثناء العمل ، وجعل طفلك يقلِّد أفعالك أيضًا! أفضل طريقة لاستهداف الأفعال هي من خلال اللَّعب ، بالإضافة إلى التعرُّض لأنشطة الحياة الواقعية – وإليك بعض أنشطتي المفضلة لاستهداف الفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *