مقالات الدكتورة وفاء

فلننزع العصابة

النمو الجسمي للطفل

النار تنير الظلام وتدفئ المكان وتحرق الأشياء، بينما الماء يطفئ النار ويبلل الأشياء، وهو يغلي ويتجمد وليس له لون أو رائحة. تلك حقائق واضحة عرفناها بالخبرة، وزاد عليها ما تعلمناه من خصائص في دروس العلوم؛ حتى تفهمنا مكوّنات الماء والنار الكيميائية، والدرجة الدقيقة التي يغلي عندها وتلك التي تجمده.

إن الله تعالى خلق لكل شيء خصائص تميِّزه عن غيره، وتصبغه بصفات معينة تكون الفارقة له، ومعرفتنا بتلك الخصائص والمميزات تجعلنا أخبر بالتعامل مع الأشياء من حولنا وتحديد احتياجاتها.
فهل سبق وان رأيت شخصا يصرخ على النار حين تحرق إصبعه؟ أو يوبخ الماء حين ينسكب على الأرض؟ بالطبع هذا يبدو ضربا من الحماقة ويصعب أن نراه حين نتعامل مع الأشياء والجمادات.

لكننا مع الأحياء -وتحديدا مع بني البشر-كثيرا ما نرى والدا أو معلما يتذمر ويشكو من كثرة سؤال طفله، أو يبدي انزعاجه من حركته الزائدة، أو يوبخه على ثرثرته، على الرغم من أنه يردد أنهم فلذات كبده.
والعارف بخصائص نمو الأطفال يعلم أن الطفل في سن الثالثة وحتى الخامسة يحب السؤال ويكثر التحدث حتى نظن أنه لا يتوقف، وفي مرحلة لاحقة يصبح أكثر هدوءًا لدرجة أننا نتمنى لو يبدأ بالحديث معنا، ويغلب عليه الاهتمام بالذات والاتِّزان في مرحلة معينة، إذًا هي أطوار ومراحل يمر بها أطفالنا في رحلتهم للرشد وعالم الكبار.
والمحير في الموضوع،كيف أننا نعالج سكب الماء بهدوء، ونضع مرهم الحروق ونحن نحتسب الأجر، بينما لا نتصرف بنفس الهدوء والتفهم مع أبنائنا حين يرتكبون بعض الأخطاء ، أو يتصرفون بطريقة قد تكون مستفزة لنا؛ فنسارع بإطلاق الأحكام والألقاب عليهم (أشقياء عفاريت ، مزعجون) ونوقع عليهم أنواع العقوبات التي تشفي صدورنا الغاضبة، وبعد أن نهدأ ونراجع أنفسنا نجد أنهم يتصرفون بشكل طبيعي، يتناسب مع مرحلتهم العمرية بكل خصائصها ومميزاتها، وأن ما قاموا به من سلوك مزعج ما هو إلا تعبير عن عدم تلبية حاجة ملحّة على الطفل، أو الاصطدام بشكل غير تربوي مع خصائصه النمائية، والوضع هنا يشبه إلى حد كبير المزارع الذي يقلّم الشجرة وهو معصوب العينين؛ معتقدًا بأنه متمكن، وعندما ينزع العصابة يكتشف أنه قلّم الأغصان الخطأ؛ فاعوجّت الشجرة.
إنّ علم التربية -كباقي العلوم -تبلى فيه نظريات وتظهر أخرى، فيتطور ويتجدد، وأطفالنا اليوم لهم أساليب تربوية معينة تناسبهم،تختلف عن تلك التي تربينا عليها، ومعرفتنا الدقيقة لخصائص أطفالنا في كل مرحلة عمرية، واحتياجاتهم الجسمية والنفسية والمعرفية، سواء بالملاحظة الذاتية أو بالقراءة والاطّلاع؛ تجعلنا قادرين على تقديم الرعاية الأفضل والأمثل لهم عن وعي ودراية، ودون أن نكون معصوبي العينين ،مثل ما فعل صديقنا المزارع!!
والله أسأل أن يعيننا ويسدد خطانا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *