مقالات الدكتورة وفاء

طرق رفع الدافعية الذاتية

نجحت لك … حصلت على نسبة 90% فماذا ستشتري لي هدية؟…أنت تعرف أنني لا أحب المدرسة …أذهب للمدرسة لأنك تريد ذلك.. عبارات نسمعها من الأطفال تدلنا على ضعف دافعيتهم للتعلم، وتضع المربي في حيرة من أمره ، ترى هل فقد أبناؤنا حب المعرفة والتعلم؟ هل لأننا نوفره لهم دون أن يطلبوه؟ أم لكثرة الملهيات والمسليات المتوفرة خارج المدرسة، أم لعدم معرفتهم بالعائد عليهم من التعليم؟ جميعها احتمالات واردة لكن الأمر المؤكد أن علينا أن نعرف الألية الصحيحة لدعم ورفع دافعية أبناءنا للتعلم، وكي نحل المشكلة علينا أن نبحث أسبابها المحتملة، وطرق تنميتها وتعزيزها.

 

لقد كانت سُنة الله في الأرض أن العلم يُؤتى ولا يأتي فبدون الرغبة يصعب بذل الجهد والوقت لأجل التعلم، فالمتعلم يحتاج لدافع داخلي يجعله يتحمل مشقة التعلم، أما حين يتحول لوعاء قابل للتعبئة تُصبُ فيه المعلومات، ويتلقى التوجيهات وكأنه جهاز استقبال غير واع فيصبح المتعلم كسول اتكالي، ويحدث خلل واضح في السُنة الطبيعية ولابد لنا من وقفة تأملية توضيحية.

 

الدافعية من الموضوعات الأساسية المرتبطة بشكل وثيق بعمليات التعلم وشخصية المتعلم وسلوكه، فلا تَعلُم دون دافعية، وقد عرفها علماء النفس بأنها الحالة الداخلية لدى المتعلم التي تحرك سلوكه وأداءه، وتعمل على استمراره بالعمل وتوجهه نحو تحقيق هدف معين، أو هي الحالة الداخلية التي تحث الفرد على الانتباه والنشاط المتواصل حتى يتحقق التعلم، أي أن أي نشاط يقوم به الفرد لا يبدأ ولا يستمر دون وجود دافع فبدون الجوع لن نقوم للأكل، وإذا شعر الطفل أن جهده  يوصله لنتيجة محسوسة تدل على انجازه سيشعر بالنجاح والسعادة ثم بالرغبة لبذل مزيد من الجهد للبحث والاكتشاف و المعرفة ثم يكرر التجربة الممتعة.

 

سأتحدث عن نوعان من الدافعية تعد الأشهر، الدافعية الذاتية العفوية الداخلية وهي تلقائية فطرية للبحث و اكتشاف العالم من حوله، يولد بها الطفل و لا يحتاج لتعلمها وتستمر معه لتنتقل من شكل لأخر طالما أنها محمية من العوامل المؤثرة عليها والتي قد تجعلها تضعف أو تختفي، أما النوع الثاني فهو الدافعية المُحَفَزة أو الخارجية وهي دفع الطفل للتعلم والنمو بعوامل خارجية ولتقريب المفهوم سأشبه النوع الأول بالطاقة الداخلية التي تتولد بالحركة وحرق الطاقة دن الحاجة لتدخل خارجي أما النوع الثاني فهو مثل السيارات التي تعمل بالزنبرك تحتاج لمن يلفه حتى تتحرك لتعود للوقوف وتحتاج لمن يعيد لف المفتاح ليعقد الزنبرك، وهي مشاهده مع الطالب عندما نقدم له المكافأة فلا يبذل جهد مالم يحصل على مقابل.

 

ومن أهم الأسباب التي تؤثر على الدافعية الذاتية العفوية أو تضعفها ، تدني تقدير الذات والشعور بعدم القدرة والفشل، فقدان الهدف وعدم وضوح الميول المستقبلية، المناخ التعليمي غير المتجدد وغير الملائم،  المبالغة في الضبط والقوانين التي تشكل ضغط  نفسي ورغبة عارمة في مقاومة ومخالفة السلطة، التوقعات المرتفعة التي تشعر الطفل بعدم الكفاءة حين يكون المطلوب صعب والتحدي ليس من السهل تحقيقه أو نطلب الامتياز باستمرار ولا نقبل اقل من ذلك، أو المنخفضة والتي تجعل الطفل يشعر بعدم القدرة أو عدم الحاجة لبذل الجهد حيث يكون هناك دائما من يقوم عنه بالعمل المطلوب فيتحول الى شخص معتمد كسول، الاهمال وعدم المشاركة والمتابعة حيث يشعر الطفل بأنه غير مهم ولا أحد يهتم لأمره ، المشكلات الأسرية وكثرة الانتقاد والنبذ والحرمان يجعل الطفل يائس غاضب وقد يستخدم ضعف التحصيل كوسيلة للفت الانتباه والانتقام، اعتماد أسلوب المكافآت لحمل الطفل على القيام بواجبه الأمر الذي يجعله يعمل ليس لإرضاء نفسه بل لإرضاء من سيكافئه.

 

بعد أن تعرفنا على الأسباب التي تضعف الدافعية للتعلم نحتاج للتركيز على كيفية تعزيزها ودعمها وإليكم بعض الآليات لتحقيق ذلك، أولًا: البدء من اهتمام المتعلم وتوفير فرص لاختيار الطريقة أو المحتوى أو المواد التعليمية المناسبة، والعمل على إخراج المتعلمين من مقاعدهم للمشاركة والشعور بالتغيير بنشاط  بدني وذهني بالتساوي في جو يسوده المرح، ثانيًا: تحفز فضوله بإثارة الغموض والتساؤلات لتحفيزه على البحث عن الإجابات، ووضع بعض التحديات ثالثًا: استخدام طرق تعليمية جديدة وغير مألوفة والحرص على التغيير المستمر لجذب الانتباه باستخدام ألعاب تعليمية ممتعة على بعض الأجهزة الالكترونية، رابعًا: ربط المحتوى التعليمي بالأهداف الفردية الخاصة بالمتعلم ليتسنى له إدراك المنفعة الشخصية، فمن المدهش أن الأهداف الذاتية تكون أكثر طموحا من تلك الموضوعة من الغير، خامسًا: جعل التوقعات واقعية وايجابية واضحة الأهداف والمغزى ومناسبة للعمر ومستوى النضج لدى المتعلم وهو قادر على تحقيقها، سادسًا: تزويد المتعلمين بدرجة معقولة من الضبط الذاتي مع وضع معايير وعواقب عادلة تربط النتائج بالتوقعات و تضمن الشعور بالمساوة، كما يجب أن يشعر المتعلم بالراحة في ارتكاب بعض الأخطاء والتي لن تنعكس على تحصيله الكلي، سابعًا: الاستخدام الواعي للجوائز والمكافآت الرمزية والمادية بصورة ايجابية فلا مكافأة على واجب بل يجب أن يكافأ الجهد بقدره، ويشاد به مهما كان بسيط؛ بصورة ترصد  الانجاز بكل مستوياته، وتطوير أساليب القياس والتقييم بصيغة ايجابية ليكون هدفها تحسين الأداء المستقبلي.

 

نستطيع أن نُجلس الطفل على مقعد الصف لكن لا يمكننا أبداً إجباره على التعلم مالم يرغب هو بذلك، فعندما توصد أبواب العقول أمام المعلم بسبب انخفاض الدافعية فما عليه إلا أن يلاحظ  سلوك المتعلم ويحاول البحث عن جذر المشكلة ليحلها.

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *