مقالات الدكتورة وفاء

سقف وسقف

جاءت البنت لأمها – بعد عودتها من المدرسة – منبهرةً وسعيدةً بما قدمته معلمتها اليوم في الدرس النموذجي الذي حضرته المديرة والموجهات. وقالت: أتمنى يا أمي أن يحضروا لنا كل يوم، فقد كانت معلمتنا اليوم غير! كانت رائعة! وطلبت منا أن نساعدها أمام الضيوف!

وفي الجهة المقابلة في البيت يسمح بعض المربين لأطفالهم بأن يخالفوا العرف ويتصرفوا كما يحلوا لهم، طالما هم بالبيت، أو بعيداً عن نظر الناس، ولكنهم يكونون أكثر حرصاً وتدقيقاً على تصرفات الأطفال أمام الناس، فتقول الأم – مثلاً – لابنها: “لا يشوفك الناس بهذا المنظر” أو: “ماذا يقول الناس عنك لو سمعوا منك هذا الكلام؟”، وكذلك: “لا تفعل ذلك حتى لا يقول عنك الناس أنك …”. ولو أرادت الأم أن تردع ابنها عن لبس شيءٍ معيْنٍ لا يعجبها مثلاً تقول: “البس ما يعجب الناس” الناس .. الناس.

وكأن المربي يحتمي وراء غريزة الطفل في حبِ الكمال بالشكل والهيئة، والاستمتاع بسماع الإطراء، وكونه سينصاع إليه بسرعة، لاهتمامه بأن يراه الناس في أحسن صورة، أضف لذلك كره الشخص كبيراً كان أو صغيراً أن يطلع الناس على أخطائه، لكن مبالغة المربي في ترديد تلك العبارات على مسامع الطفل وتكرارها، تبرمج عقله، وتثبُت في اللاوعي لديه؛ لتكون منطلق سلوكه، ومقياس تصرفاته في المستقبل.

والأخطر من ذلك ما يتعلمه الصغار من تلك الكلمات التي تضخم قيمة المظاهر دون المخابر، وتجعل الاستناد لحكم الناس سقفاً للحكم على السلوك، وإرضاؤهم غاية يسعى لها، وليس إرضاء الله!! مما يبعدهم عن الصبغة الطبيعية التي فطرنا الله تعالى عليها، والتي تحتاج كي تغرس لمواقف متعددة تكون الخبرات الصحيحة و ترشد الصغير وتوجه سلوكه، وبذلك يستقيم سلوك الأبناء ليسعوا في كل مكان وزمان لإرضاء الله سراً وعلانية، سواء رضي الناس أو سخطوا “من أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس..”.

وحين نراجع تاريخنا الإسلامي ونحتكم للتربية النبوية، نجد أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين وجه أنس، لم يقل: لا تفعل ذلك أمام الناس، بل وجهه بشكل عام ودائم، فقال: ” سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك..” سواء أمام الناس أو بمفردك، بل ويؤكد أن الإنسان عليه أن لا يحتكم لما يريده الناس، ويأمرنا بالحذر من إتباع الناس، دون الاحتكام لحدود الله والرجوع لضمائرنا: “لا يكن أحدكم إمعة، إن أحسن الناس أحسن..”.
ولنا في قصص الأولين عبرة، فهذه البنت تأمرها أمها بغش اللبن، فتأبى وتقول: “إن كان عمر لا يراني فرب عمر يراني”. وابن تيمية – في طفولته – يجيب معلمه قائلاً: “لم أجد مكاناً لا يراني فيه الله”، فلننتبه لعباراتنا، فهي التي تحدد السقف، وتبني قيم الاحتكام.

وحين نوجه ابناءنا فلننبههم بأن رب الناس يرانا ، ولنكن قدوة في تصرفاتنا أمامهم فلا نحسن أو نبالغ في تحسين التصرف أمام الناس ونهمل السلوك الصحيح عندما نكون بمفردنا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) اسأل الله أ يعيننا ويلهمنا الرشد والصواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *