مقالات الدكتورة وفاء

الذائقة الأدبية

5baceff92200005700da7d69

كيف أنمي ذائقة طفلي الأدبية ؟…

حب الجمال فطرة…لكن تذوقه مُكتسب… فمعاييره تختلف بين المجتمعات والحضارات، وتتباين عبر العصور، واللغة أداة صياغة الأدب بأنواعه… وليتمكن الطفل من الشعور بجمال نص أدبي يقرؤه أو يسمعه لابد للغته وذائقته الأدبية أن تكون بمستوى رفيع من النضج والوعي، مع خوضه تجارب وخبرات أدبية تمكنه من إدراك وتفسير الصفات الجمالية والقيم الفنية في القصة أو القصيدة التي يقرؤها أو يسمعها، والطفل يتكلم بعفوية وتلقائية دون معلم، لكن لتعلم القراءة والكتابة وفهم الشعر ونقد الأدب لن يستغني عن معلم… وهذا ما يسميه ابن خلدون ملكة اللغة؛ فالاستماع والمحاكاة أساس اكتساب اللغة، أما صناعة اللغة فتحتاج لمن ينميها ويقود متعلمها ليصبح صانعًا ماهرًا بفنونها  يعرف خصائصها النحوية والصرفية ويدرك مواطن البلاغة فيها.

تنمية الذائقة الأدبية عند الأطفال مثلها مثل أي ذائقة أخرى تبنى بالمعرفة وتتطور بالتعلم والممارسة   فكلما اكتسب الطفل معارف وتعرض لخبرات تخص مجالًا بذاته؛ نمت قدرته على إدراك الجودة وتمييز الخصوصية والأهمية التي تعطي لعمل ما قيمة في مجال معين …. فالذائقة الفنية تنمو بكثرة استعراض الفنون وزيادة المعارف المتعلقة بنوع من الفن للحكم على مستواه، فمثلا للحكم على لوحة فنية نحتاج أن نعلم الطفل المدرسة التي تنتمي لها اللوحة، وما يميز اللوحات الفنية القيمة والشهيرة المنتمية لتلك المدرسة؛ ليدرك أسباب شهرتها ونقاط تميزها، ومن يحمل ذائقة موسيقية فلا بد أنه سمع كمّا من القطع الموسيقية المميزة وعرف مواطن تميزها أو قام بعملية بحث عنها، أو ربما يكون قد تعلم العزف؛ ليقدم نقدًا موضوعيًا ويعطي حكمًا صائبًا يحدد قيمة تلك المقطوعة، هكذا تكون البداية بزيادة المعرفة والتعلم في المجال الذي نريد تنمية ذائقة الطفل فيه.

تتكون الذائقة الأدبية من القدرة اللغوية لفهم النص، واستخراج الأفكار فيه، وتقييم الألفاظ، والتراكيب، وربط التصورات الخيالية ، لتعيين القيمة الأدبية في نص ما، وتعلم مهارات التفكير الناقد مثل التحليل والتفسير والمقارنة وإدراك التشابه والاختلاف والمفاضلة…، ومهارات التفكير الإبداعي مثل الأصالة والطلاقة والتفاصيل ….، فهذه القدرات تعد أساس الحكم ودراسة العمل الأدبي، وببساطة إذا أردنا أن  نرفع ذائقة الطفل الأدبية، نحتاج إلى أن نرفع مستواه اللغوي أولاً بتعريضه لقدر كبير من القطع الأدبية، وشرح وتفنيد مواطن القوة والجمال فيها، ثم نعزز منظوره الذاتي بسؤاله عما يعتقده ويحسه، ونقدم له الأدوات التي تجعله يغوص في أعماق النص الأدبي؛ ليحدث نوعًا من الاتصال الوجداني مع العمل فيرهف حسه الأدبي، ويرتقي ذوقه، ويشعر بالسعادة، ويدرك الصفات الرئيسية التي تجعل نصًا ما جميلًا ومتميزًا، فيستطيع بعدها تذوق القيم الجمالية في النصوص ليس فقط من ناحية الألفاظ بل والمعاني والصور البيانية.. والسؤال متى وكيف نبدأ…

نبدأ مبكرًا من عمر 1-5 سنوات حيث تتكون الذاكرة اللغوية، وتصقل الذاكرة السمعية، وفي هذه المرحلة يحتفظ الطفل بالمقاطع والقصص، خاصة تلك التي استمع إليها في أحضان من يبادلونه المحبة؛ لترتبط بمشاعر حميمة، فمن العوامل المؤثرة: سماع الطفل لفيض من القصص، والأناشيد ذات الصياغات الأدبية الجيدة، والمحسنات البلاغية القوية، فكلما قرأنا للطفل وأنشدنا له القصائد أغنينا حصيلته اللغوية ومهدنا أرضية خصبة للذائقة الأدبية.

أما في عمر 5-8 سنوات فتتسم هذه المرحلة بالتلقائية اللغوية، والعفوية في الحديث، والقدرة على إدراك مكونات اللغة، ومهم جدًا إحاطة الطفل بلغة سليمة؛ لذا اهتم العرب والمسلمون بتحفيظ القرآن الكريم وتعليم الطفل بعض الأحاديث النبوية في هذا العمر؛ لضبط نطق الأصوات العربية والتعرف على أرقى الصور البيانية، كونها أقوى النماذج اللغوية التي يمكن أن يتعلمها الطفل في مرحلة يكتسب فيها السلوك اللغوي، ويحاكي ما يرى ويسمع، ويبدأ بفهم النصوص وتقليدها، كما يبدأ بمرحلة التعامل مع دلالات اللغة ورموزها، ويتفاعل معها حسيًا وعقليًا ووجدانيًا، كما يحب الطفل في هذه المرحلة الخيال ويسبح فيه، حتى أنه قد يخلط بينه وبين الواقع أحيانًا، ويضفي الحياة على كل شيء تقريبًا، وتغرس بذور الذائقة الأدبية في هذه المرحلة.

ثم تبدأ الذائقة الأدبية بالبزوغ في عمر  8-10 سنوات حيث يتذوق الطفل نصوص القصص الأدبية والقصائد الشعرية، ويتمكن من إدراك بعض التشبيهات مثل أن تقول له أنت كالقمر، أحلق كالطائرة … فمن المهم حث الطفل على القراءة المستمرة، والاستماع للنماذج الأدبية ذات القيم الجمالية، والأبعاد العاطفية والوجدانية، كما أن تشجيع الطفل على تفسير وتحليل وإدراك معاني النصوص، وربطها بحاضره وحياته الواقعية، وإعطائه الفرصة كي يحاكي تلك النماذج، ويحاول تقليدها ينمي ملكاته الأدبية والإبداعية.

عند بلوغ عمر 10 – 15 سنة تظهر القدرات اللغوية والتعبيرية، لإدراك المعاني الأدبية في النصوص المختلفة، ويتمكن من استخدام المحسنات اللغوية، والصياغات البلاغية، والأساليب البيانية التي تعطي إيقاعا موسيقيًا جماليًا للألفاظ مثل: السجع والجناس والطباق وغيرها …، ويكون بمقدوره كتابة نصوص أدبية مميزة، كما يهتم بالعواطف الإنسانية ويتذوق الأدب العاطفي ويحب النماذج الأدبية ذات الغموض، وتلك التي تدعو للتفكير، وتحوي قدرًا من التشويق، ويستوعب الأدب الرمزي بكثافته الخيالية والدلالية، ويفهم الحبكات الدرامية.

وأود التنبيه لموضوع الهوية الثقافية وتذوق الأدب المحلي، الذي يسهم في الاستقرار والقوة النفسية للطفل، فتعريضه لنصوص لها علاقة بموروثه الحضاري والشعبي والتركيز عليه بإيجابية؛ يساعده كي يرتبط  بها نفسيًا وعاطفيًا، وتتكون لديه مشاعر الفخر والاعتزاز بهوية ذلك الموروث اللغوي والأدبي الذي يصله بأصوله الثقافية، فيبني عليها أدبه الحديث، ويخف تأثره بالثقافات الأخرى، ويصبح لديه حصانة من الوقوع في فخ فقد الهوية العربية، والانصهار الثقافي، ولا أعني هنا عزل الطفل عن التعرف على نماذج ثقافية أجنبية عنه، ولكن الخوف في زمن العولمة من أن يوصله جهله بإرثه لحالة  من الانبهار بثقافة أجنبية، وقد يشعر بالدونية مقارنة بثقافته.

أخيرًا الذائقة الأدبية متعددة الوجوه بين القصص والقصائد والمسرحيات والروايات… فحبذا أن يتعرف الطفل على وجوه متنوعة للأدب، والذائقة الأدبية تحيا بحياة اللغات، فهي تنمو وتتغير لتواكب العصور، وتماشي حركة الحياة؛ لذا فلنعرف المتعلم على كلاسيكيات الأدب، ونفتح ذهنه لأن يطور ويحدث ويوظف ما يحب من صور واقعه، فالذائقة لا يمكن تجميدها في إطارات محددة، بل هي فن وإبداع قابل للتجديد دائما.

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *