مقالات الدكتورة وفاء

الحقيقة المختبئة

يحكى أنَّ الحقيقة تعبت وملت من كونها بيِّنة مكشوفة دون لٍباس يغطيها؛ ممَّا يجعل الناس يتجنبونها ولا يحبون مجالستها، الأمر الذي يؤلمها جداً ويشعرها بالوحدة، فقررت أن تشكو ذلك للسلطان، فذهبت كما هي، ولم تستطيع الدخول من البوابات، فلبست لباساً رثا أظهرها بمظهر الفقراء، حينها منعها الحراس وطردوها بقسوة، ففكرت فيما يمكنها أن تفعله كي تكون مقبولة عند البشر، فبدلت ملابسها وارتدت زياً في غاية الفخامة، واتجهت لقصر السلطان فلم يسألها أحدٌ: من أنت؟ حتى وصلت لباب الوزير، فقابلها بوجه بشوش، وقال لها، في منتهى الاحترام: هلا أخبرتني سيدتي من أنت؟ حتى استأذن لكِ السلطان، فقالت له: أنا “الأوهام” فاستأذن لها، وبعد قليل أدخلها مجلسه، فسألها: ماذا تريدين سيدتي؟ عرفت الحقيقة حينها أن الناس يفضلونها مغلفة بالأوهام حتى تتمكن من الدخول لمجالسهم، بمن فيهم السلطان، ولا يريدونها حقيقة دون لباس، كما ينبغي أن تكون، وأنَّ ما يهمُّ البشر هو مظهرها الخارجي، وليس مهمًا داخلها، طالما الظاهر جيد وجميل، “الحقيقة العارية” قصة من التراث الصيني تنبه للحال الذي ينبغي أن تكون عليه الحقيقة بطريقة رمزية عميقة.

استفتح مقالتي بها لتكون مدخلاً لنفكر معاً في الحقائق من حولنا، فليس كلُّ ما نراه ظاهراً أمامنا هو حقيقي وواقعي، فالحقائق تختبئ وراء أزياء منوَّعة تغطيها، قد تكون مغالطات، أو أوهام، أو مجاملات اجتماعية، أو تتغير الحقيقة وتتوه بين المتعارف عليه والشائع والمألوف، الحقائق أنواع كثيرة، حقيقة الشخص ومن يكون فعلاً، وحقيقة الموقف، وحقيقة الرأي… لكن ومن منبر بريد المعلم ووجهة نظر رئيسة تحريرها ما حقيقة المعلم المتميز ومن يكون؟

أليست الحقيقة  مستترة عن المعلم الذي يعتقد بأنه يؤدي ما عليه عندما يشرح درسه بطريقة سردية تقليدية، ودون استخدام أيَّ وسائل مساعدة، تجذب انتباه الأطفال وتساعدهم على الفهم؟
ماذا لو أنه دقَّق النظر لحقيقة ما يتعلمه منه الطلاب، ولاحظ فعلاً أساليبهم في التعلم، وطرائقهم في المعرفة، وبدأ يشرح درسه وفقاً لما رآه حقيقة أمامه؟ ماذا لو أنه شرح درسه بطريقة أخرى مبتكرة، يفهم بها الأطفال بشكل أفضل، ماذا لو أنه فكر في احتياجاتهم الفعلية فير حاضرهم، والمهارات التي تؤهلهم للمستقبل، فكيف سيكون الحال؟
وذلك الذي يظن بأنه يؤدب طلابه بالتخويف والصراخ، ويعتقد أنَّ سكوتهم وطاعتهم له هي قمة الأدب والأخلاق الحميدة، ألا يُعتبر غافلاً عن حقيقة ما علمهم إيِّاه، من استخدامٍ ظالمٍ للسلطة، وحب السيطرة على من هم أضعف منه؟
أما المعلم الذي يؤمن بأنَّ الأمل مفقودٌ من الطالب المهمل والمشاغب، ينتهي بأن يتخلص منه، ويبعده عن الفصل، فهذا أفضل له ولباقي الطلبة؟ ماذا لو أنه لم يستسلم للوهم وأعمل حواسه وبصيرته بداخله، ولم يفقد الأمل فيه، حتى يضعه على أول طريق النجاح، فكيف سيكون الحال؟
تُرى ماذا ترتدي الحقيقة أمام مشرف المرحلة، حين يعتقد بأنَّ أيَّ عيبٍ أو تقصيرٍ من الطالب هو مسؤولية الأهل وحدهم، وبالمقابل يتوهم الأهل بأنَّ المدرسة هي التي تبني عقول أطفالهم، وليس لهم أيُّ دور في ذلك؟
لقد تعودت الحقيقة أن تختبئ عنا لتجبر من يريد أن يعرفها حقاً أن يبذل جهداً ليراها. أعلم بأنَّ حسن النية موجودٌ، وأنَّ الجميع يريد أن يؤدي دوره، بالشكل الذي يرضى الله عنه، ولكن دون أن نسعى لاكتشاف الحقيقة، وخلع ما ترتديه من الأوهام، سيكون من الصعب علينا أن نحقق ذلك.

وبرأيي، فإنَّ المعلم المتميز هو ذلك الذي يعرف حقيقة شخصيات طلابه ويؤمن بمواهبهم ويعي قدراتهم ويعرف إلى أين يجب أن يصل بهم، ولا يمكن للحقيقة أن تختبئ عنه، فمثل ذلك المعلم يحفر ذكرى في الأذهان تبقى طوال الحياة مدعاة للامتنان، وهو يستحق بأن تلهج ألسنتهم بالدعاء له: جزاك الله عنا كل خير، وأكثر من أمثالك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *