مقالات الدكتورة وفاء

أوقفوا هدر الطاقة

حصل الأمريكي مايكل فيلبس (بكين٢٠٠٨م) على ثماني ميداليات ذهبية في دورة أوليمبية واحدة؛ ليحطم معها سبعة أرقام عالمية، علاوة على تحطيم الرقم القياسي لعدد الميداليات الذهبية في دورة أوليمبية واحدة، وقد رفع فيلبس البالغ من العمر ٢٣ عاماً بذلك رصيده إلى ١٤ ذهبية؛ إذ سبق له الفوز بست ذهبيات في أثينا ٢٠٠٤م محطماً رقماً قياساً آخر في إجمالي عدد الميداليات خلال الأولمبيات، والجدير بالذكر أنه يتدرب ٦ أيام في الأسبوع لمدة ٦ ساعات يومياً تقدر بمسافة ٢٠ كيلو متراً سباحة يومياً.

هذا البطل الذي شغل العالم، وتحدثت عنه جميع وسائل الإعلام بإعجاب وانبهار، وأصبح رمز التفوق، وملهم الطموح ، ومقياس التميز للرياضيين، وصفته معلمته في يوم من الأيام بالفاشل الذي لا يقدر على شيء، وتنبأت بعدم فلاحه … وقد أهدى مايكل هذا الإنجاز التاريخي لأمه الرائعة التي تفهمته ودعمته، وواجهت تلك المعلمة بل كل المجتمع من حوله، وأكدت لهم أنه طفل مختلف، وهو فقط يعاني اضطراب (افتا) فرط الحركة وتشتت الانتباه، وكانت تبادرهم بالقول إنه يحتاج إليكم؛ فكيف يمكنكم مساعدته؟

ولا يقتصر الأمر على فيلبس، بل تأملوا قائمة الأسماء الآتية:

جيم كاري، توم كروز، ليوناردو دافينشي، فان كوخ،جاليليو، مايكل جوردن، كارل لويس، توماس أديسون، ألبرت أينشتاين، الأخوين رايت، أبراهام لينكولن، موزارت، هاندل، ألفيس برسلي، جورج برنارد شو، ألفريد هتشكوك، إيرنستهيمنج واي، وكثير غيرهم، صحيح أنهم مختلفون في اهتماماتهم ومهنهم؛ فمنهم رياضيون، ومخترعون، وممثلون، وفنانون، وموسيقيون ورؤساء وكتاب إلا أن هناك قواسم مشتركة تجمعهم، فكلهم تصدروا صفحات التاريخ، والبشرية مدينة لهم لما قدموه من أعمال جليلة تعد مثالاً للإبداع والعبقرية. والمفاجأة أن ما يجمعهم أيضاً معاناتهم من اضطراب (أفتا و عسر القراءة (الدسليكسيا) .

إن نحو (٢) إلى (٣) ملايين طفل في جميع أنحاء العالم مصابون بهذا الاضطراب، ويقدر عدد الأشخاص الذين زاروا الأطباء للعلاج أو الاستشارة حول الاضطراب – حسب وزارة الصحة الأمريكية لعام ٢٠٠١م – بـ (١٠) ملايين شخص، وقدرت دراسات عربية في السعودية و الإمارات نسبة المصابين بنحو ١٠٪ – ١٨٪ من الأطفال في سن المدرسة؛ ما يعني أن طفلاً من بين كل ٢٥ مصاباً بهذا الاضطراب، والمخيف أن ٧٠٪ من الحالات يستمر تأثير هذه الأعراض فيهم حتى سنوات النضج.

وكما ترون فإن هذا الاضطراب واسع الانتشار؛ إذ يشمل نسبة كبيرة من أطفالنا، والأعجب أن سمات العبقرية والإبداع تختفي وراءه؛ وهو ما جعلنا نكرر الكتابة عنه للمرة الرابعة في باب التحديات التربوية، علنا نجلي الرؤية، ونسهم في رفع الوعي العام، ونغير النظرة لهؤلاء الأطفال؛ فهم ليسوا مرضى، ولكنهم فقط مختلفون؛ يرون العالم من زاوية أخرى، ولديهم كم عال من الطاقة الجسدية و العقلية التي لابد من استثمارها لإنجاز الكثير من الأشياء المفيدة.

ومن ثم يجب أن نتعامل مع الطفل على هذا الأساس. فلماذا تخسر الأمة طاقات فاعلة بسبب عدم الوعي ونقص الاهتمام!!

نشرت في مجلة بريد المعلم العدد 57 يناير 2009م 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *