مقالات الدكتورة وفاء

أبناؤنا وآفة المظاهر

في أحد الأيام، وقف فنانٌ تشكيليٌ مشهور مع صديقه عالمُ الأحياء أمام باقة جميلة من الزهور. فقال الفنان متباهيًا: “بالطبع أنت لا يمكنك رؤية الجمال الذي أراه أنا في هذه الوردة، والذي أستطيعُ بسهولة أن أنقلهُ بريشي”. فرد العالم: “بالتأكيد لا أستطيع أن أرى بعينك: لكنني أعتقد أنني أرى ما هو أبعد من النظر للجمال الخارجي للوردة؛ فأنا أعرف أيضاً ما بداخلها من أسرار حيوية، وضعها الخالقُ عز وجل”.
لعالم الأحياء وجهة نظر. وللفنان وجهة نظرٍ أخرى. ولكل من الوجهتين أهميتها الخاصة فلا يمكن أن نهتم بالمظهر ونهمل الجوهر، ولا العكس يكون صحيحاً.

حين نلاحظ كيف استحوذت المظاهرُ على اهتمام أبنائنا وشبابنا هذه الأيام، وفي كل مكان، نرى بجلاء الاهتمام الفائق بالماديات وإعلاء قيمتها، والعناية الضخمة بالمظاهر. هذا في مقابل تدني الاهتمام بالأخلاقيات، وجوهر الشخصية.

فما الذي جعلهم يحرصون على المظاهر لدرجة الهوس؟
كما هو معروف فإن أطفالنا يستقون منا تصرفاتهم، ويتعلمون منا دون أن نقصد؛ فحرصك على المظاهر واهتمامك بها وترديدك لعبارات مثل: “هذا لبس قديم وقد شاهده الناس من قبل؛ لن أرتديه وسأشتري غيره. أو: أنا أحب أن أشتري العلامات التجارية المعروفة. كل هذا وغيره ينعكس على تصرفاتهم التي يكتسبونها منا بالمحاكاة.

عندما نبدي اهتماماً بمظهر الطفل كقيمة تستوجب المديح والمكافأة، منذ المراحل المبكرة من العمر، كأن نقول للطفلة الصغيرة ذات السنتين ومن باب التدليل: ” يا سلام ما أحلى فستانك!. صحيح أن الطفلة تستمتع في البداية بهذا الإطراء، وتعتبر أن الإطراء على فستانها هو إطراء عليها، لكنها ومع تكرار مثل هذه العبارات، يترسخ لديها فكرة أنها لن تنال الإعجاب، والقبول، من الآخرين ما لم تلبس ما يلفت انتباههم.
إن الطفل في المرحلة المبكرة من عمره يكتسب تقدير الذات، من خلال إرضاء الراشدين ومدحهم له، وهي غاية يسعى إليها. أما في مرحلة المراهقة فقد يعاني من تدن تقدير الذات؛ نتيجة كثرة الرسائل السلبية من الأهل فيتحول اهتمامه إلى ما يقوله الرفاق وما يظهرونه له من إعجاب وإطراء، ويشكل هذا محور الاهتمام الرئيس لديه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *